مواصيل ممطره . .

Way one

عضو مخضرم
إنتظار اليوم التالي كان طويل ، الإنتظار لمن في مثل حالتي هم فوق همي الحالي ، و المرض و اليأس إلا من رحمة الله ، جاء الوقت الموعود ، و قبله بقليل أتصل علي الطبيب الذي سمح لي بالإذن و كلمني يطلب مني ألا انسى التواصل معه ، كان مخلصا" في عمله ، ودودا" في تعامله معي ، و بالفعل بعد الإجراءات تم الإذن و خرجت و معي حقيبة صغيرة فيها ضروريات الخروج و الإقامة خارج المستشفى لليلة واحدة ..

أشعر بشعور السجين الذي يخرج من السجن لأول مرة ، مشاعر صعب ترجمتها كتابيا" ، لكنه شعور مزدوج سعادة بالخروج و حزن من حال المرض ، كانت الأجواء في المدينة تشيئ بجو صيفي معتدل ، أجواء لطيفة ، جديرة للسير مسافات ، و للتسوق ، و حتى لتذوق الأكل اللبناني !

بعد مشي عدة دقائق ، قررت أن أستقل التاكسي للإتجاه لمطعم لبناني يبعد تقريبا" ربع ساعة بالسيارة ، وصلت المطعم ، و رغم الإحترازات الصحية بسبب كورونا ( كما كنت اتوقع ) إلا ان المطعم مكتظ بالزبائن ، و أستقبلني أحد العاملين بأدب و أشر لي بإحدى الطاولات ، و جلست و اتى بقائمة الطعام ، و طلبت الطلب و قبله طلبت فنجانا"" من القهوة ، قلت له : لو سمحت تكون وسط !

كنت أختلس النظرات من هنا وهناك ، هذا يأكل بشراهه ، و تلك ترتشف كأس الشاي بهدوء ، و هذا يناظر تلك ، و تلك تناظر هذا ، و كرة ارضية تجتمع هنا في المقهى بفيينا ، و يبدو ان ليالي الانس مايزال أثرها في فيينا !

جاءت إلي إحدى النادلات و هي من اللغة واللهجة لبنانية ، رحبت بي بحرارة ( كأي زبون طبعا" ) و أشرت على الزحمة و هي تبتسم ، و بصراحة فيها جمال أسرني ، حتى أني نسيت المرض ، و المستشفى ، و تعليمات الطبيب ، و طلب المقبلات و الحمص و التبولة ، و تذكرت ابو نوره :

تفرغت لك . . يا كامل الزين بلحالك
تقل غيرك من الناس ماهم بحييني . .

إي والله . كأن غيرها من الناس ليسوا موجودين ، و لا كأنهم خلقوا
اووف ، أنا وين و هالامور وين ، و ياليل خبرني عن أمر المعاناة !

لاطفتها ، تحدثت معها قليلا" ، و الحقيقة إني لمحت لها قليلا" ، لم يكن حدثت مشترك بين نادلة جميلة ، و زبون أنتشر المرض في جسده ، بل كان اللقاء بين الأمل و اليأس !

قلت لها : أتعلمين أنك بالنسبة لي شئ من الأقدار ، آه لو تعلمين عن حالتي ؟
قالت : التعب يبرز تفاصيله على صفحات وجهك ، لكن هل تستطيع أن تتناول العشق مثلما تتناول الأدوية التي فضح وجودها الكيس الشفاف الذي بحوزتك ؟

قلت : ليس الكيس هو فقط الشفاف ، حتى مسافات الخطاب الغرامي شفافه ، و ابتسمت ..و أستأذنت لتكملة عملها مع زبون آخر ، بالتأكيد لن يحمل شفافية المشاعر مثل الزبون الذي تحدثت معه الشفافية !

في حالة مثل حالتي ، و كرجل تعود على مشاهدة وجوه العرب ، ثم إنقطع عنها ، و أصبحت مشاهدات الوجوه فقط للأجانب ، أعتقد و هنا أؤكد على " أعتقد " ان الموضوع لاعلاقة له بجمال النادلة بل بجمال السحنة العربية ، و اللغة العربية ، و اللهجة العربية ، شئ كنت أفتقده ، ثم اتى على شكل نادلة لبنانية جميلة ، أعتقد ان الموضوع له علاقة بحالتي النفسية ، و ليس للجمال ، ففي المستشفى جميلات يفوقنها جمال ، لكن بلا روح عربية !
المربى قتال .. و الشوق لأمرأة عربية أتى بها القدر على هيئة " نادلة " !
هل هو حظ لها ، ام لي ؟

أثناء الحوار كنت أشعر و كأننا انا و هي لوحدنا ، لعلي ارتكبت خطأ بإشغالها عن شغلها ، و لا اعلم كيف أعتذر ، هل أضع " إكرامية " مع الفاتورة ؟

ممكن . . . ليه لأ !

. . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
خرجت من المقهى او المطعم ( سمه ماشئت ) كنت أشعر بجرعة معنوية إيجابية كبيرة بعد الخروج ، سيما و أنني رأيت وجوها" عربية ، و منها تلك النادلة الفاتنة !

أثناء توجهي للنزل الصغير الذي أعتدت على الإقامة به إذا أتيت فيينا ، كنت أشاهد الوجوه و الماره ، هذا ذاهب ، و ذاك آتي ، و الله أعلم بهموم كل شخص ، البعض يظهر السعادة و هو يحمل هموم الأرض ، و العكس قد يكون صحيح ، إنها حياة البشر ، لها فلسفة خاصة ، تقنياتها ليس كل مختص بإمكانه فك شفرتها ، و يالله الستر و الخيره ..

لم لا اعيش اللحظة قبل إسدال الستار ؟
لم لا اتنعم بحياة لو كانت مزيفة ؟
لم لا اعيش الزيف على حقيقته ؟ و هل للزيف و التزييف حقيقة ؟

سألت سريعا" و علمت ان هناك فندقا" من فئة 5 نجوم قريبا" من دار الاوبرا و شارع التسوق الرئيسي هو الذي نستطيع ان نسميه الافخم في العاصمة ، لكن هل اجد حجزا" هذه الليلة ، و ماذا عن إجراءات كوفيد 19 ؟

تواصلت مع الفندق الكترونيا" و وجدت الامر سهلا" و لايستدعي التوقع الذي توقعته ، سارت إجراءات الحجز بيسر ، لأن كل شئ ألكترونيا" مما سهل الامر ، فلم يبق سوى استلام كارت الغرفة للإقامة بها ..

ذهبت إلى النزل الصغير الذي حجزته مسبقا" و ابلغت الإستقبال بإلغاء الحجز و اخذ الحقيبة المؤمنة بالفندق ، و للحق كان التعامل سهلا" جدا" ، و مريحا" لي ، لم تكن ثمة أسئلة أو سنخصم منك المبلغ الفلاني ، بل كان الرقي عنوان الموقف ..

أخذت تاكسي و توجهت للفندق العاصمي الفخم ذو الخمسة نجوم ، و لاشك الوضع مختلف تماما" عن الفندق او النزل الصغير الذي كنت قد حجزته سابقا" ، فخامة ، شئ فوق المتصور ، لن اقول اكثر ، إنما تصور انك في أفخم فندق و في فيينا ..

كانت إجراءات الإستقبال و الضيافة رائعة ، عند وصولي الغرفة المطلة على مناظر رائعة ، كانت الفخامة و النظافة سيدة الموقف ، أيضا" باقة ورد أنيقة و صغيرة ، و سلة فاكهة لذيذة ، الغرفة من تراها تشعر إنك صاحب المعالي او صاحب السعادة ، شئ يفوق الوصف !

لكن .. و آه من لكن .. غرفة بهذه الفخامة و لوحدي ؟!

آه . . ثم آه . . . . . .

تذكرت غرفة المستشفى ، و الأجهزة الطبية ، و مشاهدة المرضى و الممرضين ، و الاطباء ، كنت أشعر كأني في سجن كبير ، لا مقارنة على الإطلاق بين غرفة المستشفى و هذه الغرفة الفخمة !

لكنه التغيير بالأجواء ، بالروتين ، بالوضع العام ، اعتقد انه يحقق دفعة إيجابية ، قد يقول قائل لكنك مريض قد تحتاج المستشفى بأي لحظة ؟
صحيح . و ابلغت الفندق بذلك ، و كان التجاوب جيدا" ، إذ يوجد طبيب طوال اليوم بالمستشفى لمثل هذه الحالات ..
هي بادرة شخصية للتغيير ، سمها ماشئت ، انتقدها ، أمتدحها ، بالنهاية انا الذي أشعر بنفسي أكثر من غيري !

بصراحة مجرد الجلوس في الغرفة يعتبر سياحة ، قد يقول القارئ أني لاول مرة اعيش هذه الاجواء ، لا والله كثيرا" مامررت بمثل هذه الفنادق ، لكن الفارق أني أتيت الآن و في ظروف خاصة و إقامة طويلة من مستشفى إلى مستشفى ، لكن الامر يفرق على الاقل نفسيا" ، كنت بالفعل في حاجة للتغيير ، و تبدل الروتين ، كانت ليلة هادئة لم ينقصها إلا . . . .

مريض .. و عينه قوية !

. . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
كانت الإقامة القصيرة جدا" في الفندق الفخم ( ليلة واحدة فقط بسبب إرتباط العودة غدا" للمستشفى ) ذات دافع معنوي كبير ، شعرت بتغير في كل شئ ، قد لاتصدق أنه حتى في الإفطار الصباحي كنت اتجول في البوفيه المفتوح بكل أريحية ، و لا كأني احمل داءا" مؤلما" ، صحيح كنت أشعر بأمور لكنها لم توقفني ، الدافع التفسي كان اقوى من المانع الجسدي ، كنت أشعر و كأني اسابق الوقت للنيل اكثر و أكثر منه !
و هل هناك من يسبق الوقت ؟

أثتاء وجودي في قاعة الطعام ، صادفت وجها" تتبين من السحنة عروبته ، فتذكرت مقوله للساخر الكبير محمود السعدني في إحدى كتاباته يصف حال العرب في المقهى ، إذ يقول بما معناه : إنك في مصر لن تعاني من الوحده ، حتى لو كنت لوحدك ، فقط مر بجانب أي مقهى و ألق التحية و ستجد من يردها ، ثم أسأله عن حال الجو اليوم فسيكون متجهزا" للرد ، و فجأة تجد نفسك جالسا" بجانبه ترتشف الشاي و تتحدثون في كل شئ و أي شئ على اعتبار إنكما تفهمان كل حاجة و أي حاجة !

ابتسمت بداخلي عندما تذكرت السعدني رحمه الله ، فقررت ان أعمل بمقولته ، فمررت بجانب المشتبه به كعربي ( كأني أتحرش ! ) و ألقيت السلام بالعربية ، و رد السلام بالعربية ، فسألته عن الأجواء الرائعة صباح هذا اليوم ، و رد علي برأيه حول ذلك ، افترقنا بعد ساعة و قليل بعد تبادل عدة احاديث في كل شئ و أي شئ ، بدء من الفرق بين الأجواء النمساوية و الأجواء في الخليج ، مرورا" بمقارنة الكيك الانجليزي في البوفيه و بينه في بلده الأصلي بإنجلترا ، نهاية بأوضاع افغانستان و ما آلت إليه الامور ، و لو أستمر الوضع لربما تباحثنا عن علاقة طه حسين بالشعر الجاهلي ، أو عن أغنية محمد عبده الاخيره !

بعد للبوفيه العامر بملذات الطعام ، و تناول القهوة الفرنسية بقلب العاصمة النمساوية ، ذهبت للغرفة و كتبت هذه الكلمات ، و انتظر الساعة الثانية ظهرا" موعد الخروج من الفندق و بعده الإتجاه للمستشفى ..

خلال اليوم و النصف الإجازه كنت متواصلا" مع الطبيب عبر الإتصال ، و كذلك كنت اواضب على إدراك موعد الدواء ، و الآن اشعر اني إنسان مختلف و إن قليلا" عن الإنسان الذي خرج بالأمس من المستشفى ، و طلبت من الطبيب تمديد وقت الإجازة لو ساعتين لتكون فرصة للذهاب للمطعم اللبناني ( ماغيره مطعم النادلة الجميلة ! ) لكنه اصر على وجودي بالمستشفى بالموعد المحدد ، متذرعا" بإنتظار الممرضة و الطبيب المناوب لي لأخذ فحص سريع بعد الوصول مباشرة ..

وصلت المستشفى بالفعل ، و بدأت و انتهت إجراءات الدخول و الفحص بدقائق قليلة ، كان كل شئ مهيأ ، و ذهبت لغرفتي المعتادة المطلة على الحديقة الجميلة ، أشعر اليوم كأني عائد من سفر مريح ، و رحلة جميلة ..

. . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A
أعلى