الديمقراطية البيـــضاء و.. الاستبداد الأسمر!

الديمقراطية البيـــضاء و.. الاستبداد الأسمر!
القصر لا يحتاج لمجلس النواب لكي يبرر أعمالــَــه وقوانينــَــه وتجاوزاتــِــه، ويكفي أنْ تبني مصانعَ غيابِ الوعي في الإعلام والمدارس والجامعات والملاعب ومعارض الكتب والفن، ثم بعد ذلك تــُـقيم صرحَ ديمقراطيةٍ لا تهزّ ورقةَ شجر في خريف هاديء!
قل للرعية أنَّ الديمقراطية هي حُكــْــمُ الشعب، وأنَّ صوتَ الأميّ يتساوىَ مع صوت المــُــتعَلم، وأنْ كونسرتو البيانو لرحمانيــنـوف يعادل الدفّ الشرعــي في زارٍ أو سهرة للدراويش، فسيركعون لكَ.

حاول أنْ تقنعهم أنْ ما تــُــعــَـلــّـمه المدارسُ والجامعات هو نفسُ ما يتلقاه الجالسُ في غرزة للمخدرات، وأن قــُـبــَّــة البرلمان تُخفي الجميعَ تحتها، فالديمقراطيةُ من حق الجاهل قـَـبــْـل العالــِــم، وأنَّ سيــّدَ البيت الأبيض سيــُـصفــّــق لنتيجة الانتخابات النزيهة(!)، شريطة رضا واشنطون على توَجّهات المؤيد لوجودها، وكذلك المعارض الكرتوني لتدخلاتها.

الوعيُ السياسي يمثل العدوَ الأولَ للاستبداد، إذاً فعلىَ الاستبداد أنْ يستعين بالديمقراطية لتطرده من المشهد الظاهر و.. تعيده لاحقاً عبر المشهد الخــَـفـيّ.
لو وقفتْ القوانينُ والأنظمة واللوائحُ والقواعدُ والأخلاقُ والقيمُ والعادات والتحضّرُ والتمدّن والتقدمُ ضد وصول حشـــَّـاشين ومغيـــَّــبين وسليطي الألسنة ومنزوعي الأدمغة، فإن الديمقراطية قادرةٌ علىَ مدّ البساط الأحمر للسكير والجاهل والحشــَّـاش والفاسد والمجرم والمنافق ليدخل مرفوعَ الرأس وممثــِـلا للشعب و..ليس ممثلا عليه!
يخشى العاقلون والواعون والشرفاءُ الدخولَ في جدال حول استبداد الديمقراطية خشية إتهامهم بأنهم يضعون صورة كيم يونج أون في غرف النوم، وراؤول كاسترو في الحمَام، وموجابي في صالون الاستقبال، ثم إن العالم كله التزم بالمفهوم الأوحد لديمقراطية الاستبداد، ولو كان الدكتور جمال حمدان بيننا لتفوَّق مرتضى منصور عليه، ولو كان الدكتور عبد الوهاب المسيري حيــَّــاً ونافس مصطفى بكري لما كان للمسيري وحمدان حظ في مقعد صغير داخل أو.. على باب الحرَم الديمقراطي.

صناعة اللاوعي تبدأ من هنا .. من وضع عــَـصابة على عينيك تتخيل إثرها أن القضاءَ شامخ ونزيه، وأنَّ الديمقراطية في فصول محو الأمية هي شمس الغرب التي تسطع على العرب، وأن ما يؤرق الأبيضَ ليس لون الأسمر، إنما قدرته على القراءة والكتابة و.. الفهم!
أكثر مثقفينا في العالم العربي تصطكّ رُكـــَـبـُـهم فزعاً إذا قيل لهم بأنهم دعاةُ استبدادٍ، ولا يريدون للأميين والجاهلين سبيلاً، فأسيادُ العالم هم محرّكو البرلمانات، والديكتاتور في شرقنا يُصــْـنــَــع سبعين مرة في غربهم، فالقذافي وصدام حسين ومبارك والأسدان، الأب والابن، وأبو عمار، وعلي عبد الله صالح، والحسن الثاني ، وزين العابدين بن علي، وتيتو، وبوكاسا، وعيدي أمين دادا، وبينوشيه، و.. عدد هائل من الزعماء علىَ مدى التاريخ كان يتم تلميعُ أسنانهم، ثم يستبدلون بها أنياباً، ثم يعيدون الأسنانَ أكثر لمعاناً عن ذي قبل، ثم يــُــذْبــَـحون في نهايات أعياد الطاغية ( مثلما فعل توني بلير مع القذافي).

ليست دعوةً للاستبداد وليست تهنئةً للديمقراطية، لكنها بحثٌ عن الطريق الثالث الذي يُخْرج من الشعب أفضلَ ما عنده، ويرفع من شأن عباقرته ومُصلحيه وموسوعييه وأنبيائه الجدد وزعمائه الذين أهال المهللون عليهم الترابَ، ديمقراطيا واستبدادياً.
لا تفرحوا بالديمقراطية، ولا تحزنوا على غياب الاستبداد، فصندوق الاقتراع فيه شيطان، وثعبان، وجاهل، ومثقف، ورجل دين، وحزبي منافق، ووصولي حقير، وإنسان شريف، وتبقىَ الأزمةُ قائمةً طالما راقــَـبــَـك الكبارُ والأغنياءُ في العالم المتقدم وأنت تضع إصبعــَــك في أُذُنــِــكَ أو أنـْـفــِـكَ، أو في الحبر، ثم ترفعه فلا تجد حمامة، إنما نابــًـا أو أنيابًا أو نوابــــًــا أو نوائب!

محمد عبد المجيد
طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويجي



https://www.facebook.com/ufi/reaction/profile/browser/?ft_ent_identifier=ZmVlZGJhY2s6MTAyMTI3NDI3MzE1ODIzNzQ%3D&av=1209672596
 
كلمة إدارة الموقع
جميع المواضيع والمشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها، ولا تعبّر بأي شكل من الاشكال عن وجهة نظر إدارة الشبكة.
أعلى