نقد كتاب ما يفعله الأطباء والداعون بدفع شر الطاعون

رضا البطاوى

عضو فعال
نقد كتاب ما يفعله الأطباء والداعون بدفع شر الطاعون
مؤلف الكتاب هو مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (المتوفى: 1033 هـ)
وقد قال فى سبب تأليف الكتاب :
" فقد سئلت في جمع أدعية وأذكار تستعمل للطاعون، وهل ذلك يفيد، وهل الطب له مدخل فيه وينفع؟ وقد أحببت أن أذكر شيئا من ذلك مع زيادة فوائد، وجمع فرائد، طلبا للثواب، ونفعا للأصحاب فأقول وبالله المستعان، وعليه التكلان، لا رب غيره، ولا مأمول إلا خيره"
بدأ الكرمى حديثه بذكر اختلاف القوم فى نفع التداوى من الطاعون وفى نفع الأذكار فى إزالته فقال :
"اعلم أن العلماء اختلفوا هل يفيد التداوي للطاعون، وهل ينفع فيه ما ورد من الأدعية والأذكار ونحوها؟
فذهب جماعة من العلماء إلى أن التداوي لا يفيد مع الطاعون شيئا، وقالوا: إن كل داء بسبب من الأسباب الطبيعية له دواء من الأدوية الطبيعية إلا الطاعون، فإنه قد أعيى الأطباء دواؤه
قال العلامة ابن القيم: حتى سلم حذاقهم أنه لا دواء له، ولا دافع له، إلا الذي خلقه وقدره
وقال الحافظ جلال السيوطي فيمن مات في الطاعون: وأكثر أناس في الطاعون من أشياء لا تغنيهم، وأمور لا تعنيهم؛ من ذلك استعمال مأكولات وقوابض، ومخففات وحوامض، وتعليق فصوص، لها في كتب الطب نصوص، وهذا باب قد أعيى الأطباء، واعترف بالعجز عن مداواته الألباء
وأناس رتبوا أدعية لم يرد بها حديث ولا أثر، وابتدعوا أذكارا من عند أنفسهم ونسوا أين المفر، وآخرون تحولوا إلى البحر وشاطئ النهر، وما شعروا أن مجاوزة البحر من أكبر الأسباب المعينة للطاعون طبا، والمضرة عند فساد الهواء جسما ولبا، إنما يصلح سكن البحر لمن يشكو الغم، أو سوء هضم
قال: ولم أعول على ذكر شيء مما ذكره الأطباء فيما يستعمل أيام الطاعون؛ لأنه شيء لا فائدة فيه، وهم إنما بنوا ما ذكروه على ما قرروه من أن الطاعون ناشئ عن فساد الهواء، وقد تبين فساد ما قالوه بمجيء الأحاديث النبوية بخلافه، فالأولى طرح ذلك، والتوكل على الله سبحانه وتعالي"
انتهى ما نقله الكرمى وخلاصته أن الطاعون لا يفيد معه دواء ولا ذكر ومن ثم استشهد بالقول :
"وما أحسن قول بعضهم:
لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة والطاعون والهرما "
ثم نقل عن كتب الأطباء ماهية الطاعون وأما كن تواجده فى الجسم فقال :
"وحقيقة الطاعون عند الأطباء ما قال ابن سينا وغيره من الحذاق: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة، والتغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط، وخلف الأذن وقريب من ذلك قول بعضهم: الطاعون ورم رديء قتال يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا، ويصير ما حوله في الغالب أسود أو أخضر، وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع؛ في الإبط، وخلف الأذن، وفي اللحوم الرخوة، وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد، مستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو، ويغير ما يليه، وربما رشح دما وصديدا ويؤدي إلى القلب كيفية ردية، فيحدث القيء والخفقان والغثيان، وأردؤه ما حدث في الإبط، وخلف الأذن، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والذي إلى السواد فلا يفلت منه أحد وفسر بعضهم الطاعون بانصباب الدم إلى عضو وقال أكثرهم: إنه هيجان الدم وانتفاخه "
ثم ذكر اختلاف الأطباء فى سببه فقال:
"واختلفوا عماذا ينشأ هذا الدم، وهذا الورم، وبماذا تحصل هذه السمية القاتلة؟فقال الأطباء: إن سببه فساد جوهر الهواء
قال ابن سينا: الوباء فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده، ولذلك لا يمكن حياة شيء من الحيوان بدون استنشاقه، وقريب من ذلك قول بعضهم: الوباء ينشأ عن فساد يعرض لجوهر الهواء بأسباب خبيثة سماوية أو أرضية، كالشهب والرجوم في آخر الصيف، والماء الآسن ، والجيف الكثيرة "
الكلام هنا حسب الطب الحديث فيه بعض من الصحة حيث ينتشر الطاعون عن طريق الهواء الملوث بسعال وعطاس المصابين وسببه بكتيريا تنقلها القوارض كالفئران والحشرات كالبراغيث وهو يصيب الناي بالانتقال عن طريق الهواء او اللمش أو العض أو اللدغ او تناول طعام ملوث
وقد رد الكرمى كلام الأطباء بكلام الفقهاء فقال :
"وقال أهل الشرع: إن كلام الأطباء هذا باطل مردود؛ لان الطاعون قد يقع في أعدل الفصول، وفي أفسح البلاد، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان من الهواء لعم جميع الناس، وسائر الحيوان، وجميع البدن!! وليس كذلك كما هو مشاهد؛ فإنا نجد كثيرا من الناس والحيوان يصيبه الطاعون، وبجانبه من جنسه، ومن يشابه مزاجه، ولا يصيبه، وقد يأخذ أهل البيت من بلد بأجمعهم، ولا يدخل بيتا مجاورهم أصلا، أو يدخل بيتا ولا يصيب منه إلا البعض"
وبالقطع هنا كل يغنى على ليلاه بمعنى أن الأطباء بحثوا عن موضوع دراستهم وهو الجسم فبينوا سبب الفساد الظاهر فى الجسم بينما الفقهاء تحدثوا عن السبب الباطن فى ظهور الطواعين وهو كثرة ذنوب البشر وعدم ارتداعهم عنها ومن ثم فكل بحث الموضوع من جهة علمه وفى الحقيقة لا يوجد تعارض
واستعرض مرعى الكرمى وجهة نظر الفقهاء فقال :
"قال أهل الشرع: والحق أن سبب الطاعون هو ظهور الفواحش والمعاصي؛ بل كل مصيبة حدثت فهي من كسب ابن آدم كما قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30)} [الشورى]
وروى ابن ماجه والبيهقي عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم يكن مضت في أسلافهم"
وروى أبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت"
وروى أبو يعلى والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إذا بخس المكيال حبس القطر، وإذا كثر الزنا كثر القتل ووقع الطاعون"
إلى هذا الموضع بين الرجل أن سبب انتشار الطاعون عند الفقهاء هو شيوع الفواحش ثم دخل إلى منطقة طبية ليست من اختصاص الفقهاء وهى سبب الطاعون المادى فقال:
"قالوا: وهو من وخز الجن، أي: طعنهم
روى عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل في مسنديهما، وابن أبي الدنيا، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل من طرق عديدة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فناء أمتي بالطعن والطاعون"، قيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: "وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة" ويشهد لكون الموت بالطاعون شهادة حديث أنس الذي أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما يذكر في الطاعون ح (5732)، ولفظه: "الطاعون شهادة لكل مسلم"، وحديث عائشة ح (5734) بنحوه
وروى أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الطاعون: "وخز يصيب أمتي من أعدائهم من الجن؛ غدة كغدة الإبل، من أقام عليها كان مرابطا، ومن أصيب كان شهيدا"
والخطأ فى الروايات أن المسلمين لا يفنون إلا بالطعن والطاعون ويخالف هذا أن المسلمين يموتون بكل الطرق كغيرهم من الأمم فمنهم كثرة تموت على الفراش ومنهم من يموت فى الحرب ومنهم من يموت فى الحوادث والكوارث ويناقض قولهم "أعمار أمتى ما بين ال60 و ال70 وقولهم "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة "فهنا المسلمون يموتون موتا عاديا وهو ما يخالف القول بالأعلى الذى يعنى أن المسلمين كلهم قتلى إما شهداء الطعن وهو القتال وإما شهداء الطاعون وهو المرض المعدى .
والروايات تجعل الطاعون للمسلمين فقط بسبب الأعداء من الجن وهو ما يخالف انه يصيب كل الأمم ومن ثم فالنبى(ص) لم يقل هذا الكلام
ثم نقل الكرمى قول ابن حجر:
"قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: وهو الذي أوجب للأطباء أن يقولوا ما قالوه؛ لأن معرفة كون الطاعون من وخز الجن إنما يدرك بالتوقيف، وليس للعقل فيه مجال ولما لم يكن عندهم في ذلك موقوف رأوا أن أقرب ما يقال فيه إنه من فساد جوهر الهواء، ولما ورد الشرع وجاء نهر الله بطل نهر معقل "
والنصوص التى بين أيدينا ليست وحيا من الله ولم يقلها النبى(ص) لتعارضها مع بعضها ومع القرآن ولو قالوا :
أن سبب الطاعون شىء خفى عن حواس الناس سواء سمى الجن أو كما سماه أيوب (ص) شيطان أى شىء ضار كما قال تعالى " إنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب" وفسره قوله " وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر"
ثم بين الكرمى أن هناك جماعة من الفقهاء خالفوا الفقهاء الأخرين فى أن الطاعون يشفى بالعلاج فقال:
"وذهب جماعة من العلماء إلى أن التداوي يفيد مع الطاعون، وينفع لعموم الحديث الوارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوارد في الأمر بالتداوي

البقية http://vb.7mry.com/t355333.html#post1821374
 
أعلى