نقد رسالة ابن سينا فى السياسة

رضا البطاوى

عضو فعال
نقد رسالة ضمن «مجموع في السياسة»
المؤلف: الحسين بن عبد الله بن سينا، أبو علي، شرف الملك: الفيلسوف الرئيس (المتوفى: 428هـ)
بدأ ابن سينا الرسالة بمقدمة من مقدمات الكتب المعروفة فى التراث فقال :
"الحمد لله الذي نهج لعباده بما دلهم عليه من حمده وسبيل شكره وأشرع لهم بما هيأهم له من شكره أبواب مزيدة ومن عليهم بالعقل الذي جعله لدينهم عصمة ولدنياهم عمادا وقائمة وحباهم بالنطق الذي جعله فرقا بينهم وبين البهائم العجم والأنعام البكم
فالحمد لله حمدا كثيرا على ما عم من حسن تدبيره وشمل من لطف تقديره حتى حاز كل صنف من أصناف خلقه حظه من المصلحة واستوفى كل نوع سهمه من المرفق والمنفعة فلم يفت جميل صنعه صغيرا ولا كبيرا بل أفاض عليهم جميعا من سوابغ نعمه وشوامل مواهبه ما صلحت به أحوالهم وتم بمكانه نقصهم وقوي من أجله عجزهم ثم خص بني آدم بخصائص من نعمه فضلهم بها على كثير من خلقه فجعلهم أحسن الخلق وطبائعهم أكمل الطبائع وتركيبهم أعدل التركيب ومعيشتهم أنعم المعاش وسعيهم في منقلبهم أرد السعي إلى العقول الرضية التي أمدهم بها والأحلام الراجحة التي أيدهم بفضلها والآداب الحسنة التي ألبسهم جمالها والأخلاق الكريمة التي زينهم بشرفها مع التمييز الذي أراهم به فرق ما بين الخير والشر وخلاف ما بين الغي والرشد وفضل ما بين الصانع والمصنوع والمالك والمملوك والسائس والمسوس حتى صار ذلك طريقا لهم إلى المعرفة ما بين الخالق والمخلوق وسبيلا واضحا إلى تثبيت الصانع القديم إلا جحود عناد أو مكابرة عيان"
هذه المقدمة من يقرأها يظن أن الرجل سيقدم كتابا يستشهد فيه بالآيات والروايات والحكايات ولكن سيخيب ظن القارىء فالكتاب ليس فيه آيات ولا روايات ولا حتى حكايات فهو كتاب جاف حالى من هذا يتحدث عن سياسة الناس وقد استهل الكتاب بالعنوان التالى :
"اختلاف أقدار الناس وتفاوت أحوالهم سبب بقائهم:
ثم من عليهم بفضل رأفته منا مستأنفا بأن جعلهم في عقولهم وآرائهم متفاضلين كما جعلهم في أملاكهم ومنازلهم ورتبهم متفاوتين لما في استواء أحوالهم وتقارب أقدارهم من الفساد الداعي إلى فنائهم لما يلقي بينهم من التنافس والتحاسد ويثير من التباغي والتظالم فقد علم ذوو العقول أن الناس لو كانوا جمعيا ملوكا لتفانوا عن آخرهم ولو كانوا كلهم سوقة لهلكوا عيانا بأسرهم كما أنهم لو استووا في الغنى لما مهن أحد لأحد ولا رفد حميم حميما ولو استووا في الفقر لماتوا ضرا وهلكوا بؤسا فلما كان التحاسد من أطباعهم والتباهي من سوسهم وفي أصل جوهرهم كان اختلاف أقدارهم وتفاوت أحوالهم سبب بقائهم وعلة لقناعتهم فذو المال الغفل من العقل العطل من الأدب المدرك حظه من الدنيا بأهون سعي إذا تأمل حال العاقل المحروم وأكدار الحول القلب ظن بل أيقن أن المال الذي وجده مغير من العقل الذي عدمه وذو الأدب المعدم إذا تفقد حال المثري الجاهل لم يشك في أنه فضل عليه وقدم دونه وذو الصناعة التي تعود عليه بما يمسك رمقه لا يغبط ذا السلطان العريض ولا ذا الملك المديد وكل ذلك من دلائل الحكمة وشواهد لطف التدبير وأمارات الرحمة والرأفة"
هذه الفقرة يبدو فى بدايتها أن هناك كلام ناقص فالعنوان اختلاف أقدار الناس وتفاوت أحوالهم سبب بقائهم: يليه العبارة التالية "ثم من عليهم بفضل رأفته منا مستأنفا بأن جعلهم في عقولهم" واستعمال ثم فى أول العبارة يعنى وجود عبارات سابقة ساقطة
يتعرض الرجل هنا لنقطة اختلاف أحوال الناس فى المال والصحة والعلم وغير هذا ويؤكد أن سبب بقاء الناس هو اختلافهم وأخطاء الفقرة هى :
الأول القول فقد علم ذوو العقول أن الناس لو كانوا جميعا ملوكا لتفانوا عن آخرهم ولو كانوا كلهم سوقة لهلكوا عيانا بأسرهم"
والله جعل الناس جميعا ملوكا فقال فى بنى إسرائيل "وجعلكم ملوكا " أى حكاما لأنفسهم وساوى بينما فقال " إنما المؤمنون اخوة" دليل على أنهم سيان فى المكانة فحتى الرسول(ص) نفسه ليس سوى واحد منهم يجب أن يشاركهم فى الأمر وهو قوله تعالى ""فبما رحمة من ربك لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر" ولذا قال تعالى "وأمرهم شورى بينهم "

الثانى القول "كما أنهم لو استووا في الغنى لما مهن أحد لأحد ولا رفد حميم حميما ولو استووا في الفقر لماتوا ضرا وهلكوا بؤسا"
خذا القول يتعارض مع مساواة الله بين الناس فى القسمة المالية لمنافع الأرض حيث قال "وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين"
فلم يشرع الله الغنى ولا الفقر وإنما شرع العدل وجعل الفروق بين الناس قليلة جدا ناتجة من الميراث والهبات والمشاركة فى الجهاد
وتحت عنوان وجوب السياسة قال ابن سينا:
"وأحق الناس وأولاهم بأمل ما يجري عليه تدبير العالم من الحكمة وحسن واتقان السياسة وأحكام التدبير الملوك الذين جعل الله تعالى ذكره بأيديهم أزمة العباد وملكهم تدبير البلاد واسترعاهم أمر البرية وفوض إليهم سياسة الرعية ثم الأمثل فالأمثل من الولاة الذين أعطوا قياد الأمم واستكفوا تدبير الأمصار والكور ثم الذين يلونهم من أرباب النعم وسواس البطانة والخدم ثم الذين يلونهم من أرباب المنازل ورواض الأهل والولدان فإن كل واحد من هؤلاء راع لما يجوزه كنفه ويضمه رحله ويصرفه أمره ونهيه ومن تحت يده رعيته ويحتاج أصغرهم شأنا وأخفهم ظهرا وأرقهم حالا وأضيقهم عطنا وأقلهم عددا من حسن السياسة والتدبير ومن كثرة التفكير والتقدير ومن قلة الإغفال والإهمال ومن الإنكار والتأنيب والتعنيف والتأديب والتعديل والتقويم إلى جميع ما يحتاج إليه الملك الأعظم بل لو قال قائل الذي يحتاج إليه هذا من التيقظ والتنبيه ومن التعرف والتجسس والبحث والتنقير والفحص والكشيف أو من استشعار الخوف والوجل ومجانبة الركون والطمأنينة والإشقاق من انفتاق الربق واختلال السد أكثر لأصاب مقالا لأن الفذ الذي لا ظهير له والفرد الذي لا معاضد له أحوج إلى حسن العناية وأحق بشدة الاحتراز من المستظهر بكفاية الكفاة ورفد الوزراء والأعوان ولأن المعدم الذي لا مال له يحتاج من ترقح العيش ومرمة الحال إلى أكثر ما يحتاج إليه الغني الموسر ولعل منكر ينكر تمثيلنا أحوال السوقة بأحوال الملوك أو عائبا يعيب موازنتنا بين الحالين أو قادحا يقدح في مساواتنا بين الأمرين فليعلم المتكلف في النظر في ذلك أن تكلمنا في تقارب الناس في الأخلاق والخلق وفي حاجات الأنفس وفي دواعي الأجساد والمنازل دون المراتب والأحظار والأقدار"
الخطأ فى الفقرة هو أن جعل الله بأيدى الملوك الذين أزمة العباد وملكهم تدبير البلاد واسترعاهم أمر البرية وفوض إليهم سياسة الرعية فالله لم يجعل ملوكا فرديين كما هو معروف وإنما جعل أهل دينه ملوكا أى حكاما أى مشاركين أى مشاورين فى الأمر كلهم فقال " وأمرهم شورى بينهم "
فالله لم يفوض أحد ولم يعطه تدبير البلاد لأنه وضح للكل ما يفعلونه من إدارة الدولة ونصب الموظفين كل فى مكانه فقال " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء"
وكل ما يفعله الناس هو تنفيذ أحكام الله ومن تلك الأحكام التشاور فى الأمور وهى الأمور التنفيذية كرسم خطط الحرب واختيار أصحاب المناصب من بينهم وهى أمور تختلف لحسب المكان والزمان والعدد وما شاكل هذا ومن ثم تركها الله لهم ليعرفوا كيف يفكرون فيها حتى يظل العدل قائما
ثم تحت عنوان الحاجة إلى السياسة قال :
"ثم ليعلم إن كل إنسان ملك وسوقة يحتاج إلى وقت تقوم به حياته ويبقى شخصه ثم يحتاج إلى إعداد فضل قوته لما يستأنف من وقت حاجته وأنه ليس سبيل الإنسان في اقتناء الأقوات سبيل سائر الحيوان الذي ينبعث في طلب الرعي والماء عند هيجان الجوع وحدوث العطش وينصرف عنهما بعد الشبع والري غير معبئ بما أفضله ولا حافظ لما احتازه ولا عالم بعود حاجته إليهما بل يحتاج الإنسان إلى مكان يخزن فيه ما يقتنيه ويحرسه لوقت حاجته فكان هذا سبب الحاجة إلى اتخاذ المساكن والمنازل فلما اتخذ المنزل واحرز القنية احتاج إلى حفظها فيه ممن يريدها ومنعها عمن يرومها فلو أنه أقام على القنية حافظا لها راصدا لطلابها إذن أفناها قبل أن يزيد فيها فإذا أفتنى ثانية عادت حاجته إلى حفظها فلا يزال ذلك دأبه حتى يصير في مثل حيز البهيمة التي تسعى إلى مرعاها مع حدوث حاجاتها فاحتاج عند ذلك إلى استخلاف غيره على حفظ قنيته فلم يصلح لخلافته في ذلك ألا من تسكن نفسه إليه ولم تسكن نفسه إلا إلى الزوج التي جعلها الله تعالى ذكره للرجل سكنا وكان ذلك سبب اتخاذ الأهل ولما يغشى الأهل بالأمر الذي جعله الله سببا لحدوث الذرية وعلة البقاء والنسل حدث الولد وكثر العدد وزادت الحاجة إلى الأقوات وإعداد فضلاتها لأوقات الحاجة احتاج عند ذلك إلى الأعوان والقوام وإلى الكفاة والخدام فإذا به صار راعيا وصار من تحت يده له رعية فهذه أمور قد استوى في الحاجة إليها الملك والسوقة والراعي والمرعي والسائس والمسوس والخادم والمخدوم لأن كل إنسان محتاج في دنياه إلى قوت يمسك روحه ويقيم جسده وإلى منزل يحرز فيه ذات يده ويأوى إليه إذا انصرف عن سعيه وإلى زوج تحفظ عليه منزلة وتحرز له كسبه وإلى ولد يسعى له عند عجزه ويمونه في حال كبره ويصل نسله ويحيى ذكره من بعده وإلى قوام وكفاة يعينونه ويحملون ثقله وإذا اجتمع هؤلاء كان راعيا ومسيما وكان له رعايا وسواما وكما إن المسيم يلزمه أن يرتاد مصالح سائمته من الكلأ والماء نهارا ومن الحظائر والزراب ليلا وإن يذكي عيونه في كلائها ويبث كلابه في أقطارها ليحرسها من السباع العادية ومن الآفات الطارقة ومن السرق والغارة والنهب وإن يختار لها المشتى الدفئ والمصيف الريح ويرود لها في طلب الكلأ والنطف العذاب وإن يتحين وقت عملها وإن يترقب حيت نتاجها ويلزمه بعد ذلك أن يسوقها إلى مصالحها ويصرفها عن متالفها بنعيقه وصفيره وبزجره ووعيده فإن كفاه ذلك في حسن انقيادها واستقامة ضلعها وإلا أقدم عليها بعصاه كذلك يلزم ذا الأهل والولد والخدم والتبع مما يحق عليه من حفظهم وحياطتهم ومن تحمل مؤنهم وإدرار أرزاقهم وإحسان سياستهم وتقويمهم بالترغيب والترهيب وبالوعد الوعيد وبالتقريب والتبعيد وبالإعطاء والحرمان حتى تستقيم له قناتهم

البقية
https://arab-rationalists.yoo7.com/t1041-topic#1247
 
أعلى