هدية د .ابن طفلة للشباب : نحو صياغة الخطاب المدني

الصامت

عضو بلاتيني
نقلا من موقع الان اقدم لكم تيب بعنوان (نحو صياغة الخطاب المدني ـ محاولة لتعزيز ادبيات التيار المدني ...

في الحقيقة اننا افتقدنا تلك الرسائل من فاطحلة الفكر المدني وهذا التغييب المتعمد من قبل المهيمنين على الفكر المدني قد طالبناهم يتوجيه الشباب الذي تم اختطافه من قبل التيارات الدينية بشقيها السنية والشيعية ... نشد على يد الدكتور سعد بن طفلة ونبارك له هذه الاصدارات ... ولي وقفه لا حقه وتعليق على حيثيات الموضوع ...



بن طفله يكتب هدية للشباب
'نحو صياغة الخطاب المدني' محاولة لتعزيز أدبيات التيار المدني


06:06:09 م
30/01/2009​


الآن-ثقافة




أصدر الدكتور سعد بن طفله كتيبا عنوانه 'نحو صياغة الخطاب المدني: ورقة مقدمة للشباب'. الكتيب الذي سماه الدكتور سعد ورقة يتكون من حوالي ثلاثين صفحة قال في مقدمتها أنه تعمد قصره من أجل الشباب، وذكر بأنه سيكون باكورة سلسلة من الأوراق التي تناقش القضايا العصرية بلغة موجهة للشباب حول أهمية الخطاب المدني.
الكتاب يناقش فكرة الدولة المدنية ويتعرض لمصطلحات مثل العلمانية والليبرالية والدكتاتورية، ويجادل حول مسألة 'تسييس الدين وتدين السياسة'.
كما يناقش الكتاب فكرة الدفاع عن الدين من منظور مدني وذلك بالنأي به عن السياسة والاعيبها، ويجادل برفض عزل الدين عن السياسة وفصلهما على اعتبار أنها ليسا ملتصقان، ولكن المطلوب-كما يكتب بن طفله- هو السمو بالدين فوق السياسة، والترفع بالدين عن السياسة والمصالح السياسية الدنيوية.
في مقدمة الكتاب يطرح الكاتب أهمية هذه اللغة المدنية التي يمكن أن تقدم للشباب زادا في ساحة الحوار الديمقراطي بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة المدنية. ولعل أهمية ما كتبه بن طفله تكمن في إضافته لمثل هذا الحوار الحضاري.

وفيما يلي الورقة:


الجزء الاول :

نحو صياغة الخطاب المدني:
ورقة مقدمة للشباب
سعد بن طفله
المحتويات
1- مقدمة.
2- لماذا هذا الكتيب؟
3- نعوت ومصطلحات.
3-1 تحديد
3-2 الاختلاط نموذج التلاعب اللغوي
3-3 لا للاختلاط، لا لفرض التعليم المشترك.
4- المدنية في مواجهة التطرف والإرهاب.
5- ثقافة الإلغاء.
6- احتكار الإسلام والدفاع عنه.
7- تسييس الدين وتدين السياسة.
7-1 الدولة المسلمة، والأمة الإسلامية.
7-2 استغلال الدين واستغلال المدنية.
8- لا لعزل الدين عن السياسة! لا لفصل الدين عن السياسة!
9- التفاؤل زاد البقاء.
10- لا تكن بموقع الدفاع.
11- خاتمة.


1. مقدمة
يأتي هذا الكتاب كمحاولة لحصر المصطلحات السياسية التي تدور وتمور في لغة السياسة من حولنا، وهو يهدف إلى تحديد بعض معان ومفاهيم ومدلولات هذه المصطلحات السياسية، كما تأتي الحاجة لمثل هذا الكتاب موجها إلى الكثيرين ممن اختلطت عليهم المفاهيم، وتقطعت بهم سبل العبارات، ووجد صعوبة في استيضاح الصور في عالمنا الذي يمر بمتغيرات كبيرة وتاريخية وغير مسبوقة.
هذه الورقة موجه للشباب بالدرجة الأولى، أو هي موجهة للباحث عن حصر التغيرات وتوصيفها، ولمن ينشد تحديد المفاهيم ومعانيها. وهي تهدف أن تربط كل من يتفكر من هؤلاء الشباب- وهم الغالبية العظمى- فيما يجري من حوله من ضوضاء السياسة، وأعاجيب المصطلحات، وفوضى التسميات، التي تذهب بالشباب شرقا وغربا، والتي تسببت بضياع البوصلة الفكرية التي يمكن أن يجتمع عليها معظم الشباب في مرحلة تتطلب تجمع الجهود وتظافرها، لتجاوز محن نشهدها كل يوم، وتتفاقم كل ساعة.
ولقد حاولت الورقة الاختصار قدر الإمكان، فالقراءة ليست من عاداتنا العربية بشكل عام، وعصر السرعة والتكنولوجيا يجعل من الممل للشباب أن يقرءوا كتابا يضم المئات من الصفحات من التنظير الممل، فخير الكلام ما قل ودل في هذا العصر الذي يتصفح فيه الشباب الانترنت أكثر مما يقلبون صفحات الكتب.
والحق بأن هذه الأوراق نتاج تجربة شخصية في عالم الحوار والجدل والنقاش السياسي، انصب في غالبه على الحوار مع التيار الديني، طيلة أكثر من ربع قرن من العمل السياسي، وأنا هنا لا أكتب مذكرات خاصة، ولا أكتب جديدا، أو أضيف جديدا سوى أنني أقوم بعملية حصر لمواضيع تراكمت دون ترتيب، وجرى عمل منظم لتشتيتها، وتم عن عمد رش الغموض حولها.
وهذا الكتيب موجه بالدرجة الأولى للشباب الكويتي، ولكن يمكن أن ينسحب في طروحاته على الحوار المدني-الديني في أي مكان في عالمنا العربي والإسلامي، وبالذات في دول الخليج العربية، ولذلك لأن الهم مشترك، ولأن القوى المعادية للدولة المدنية هي واحدة وموحدة في خطابها في كل أنحاء المنطقة.

2. لماذا هذه الورقة الآن؟
يأتي توقيت هذا الكتيب في مرحلة هامة من تاريخ التطور السياسي العربي عموما، والخليجي-الكويتي تحديدا، فلقد كانت المسائل في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي محددة المعاني والمفاهيم السياسية بشكل حاد وقاطع، وكانت الأيدولوجيات الجامدة هي سيدة الموقف، فأنت إما أن تكون شيوعيا، أو قوميا أو بعثيا، ولاحقا ناصريا، وإما أن تكون مع المتدينين الذي لم يصيغوا خطابا سياسيا حتى جاء بين الإخوان السملمين سيد قطب وحدد مفاهيم الحاكمية السياسية واندفع في تحديد مسألة الدولة الإسلامية وضرورة تحقيقها والعمل على إنشائها ولو بالقوة.
ثم انتهت تلك المرحلة، بما لها وما عليها، وسقطت الأيديوجيات الجامدة، فانتهت الناصرية بهزيمة العام 1967م، ثم يموت عبدالناصر نفسه، ووصلت القومية الشوفينية مداها بالسيطرة على العراق وسوريا، لتثبت فشلا ذريعا في إدارة الدولة، وتحقيق الوحدة العربية المنشودة، وإنجازات النظرية الاشتراكية الموعودة وأوهام الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة.
ثم جاءت مرحلة يمكن نعتها بالمرحلة 'الأفغانية'، والتي رصدت فيها الأموال وحشدت الجهود وجند 'المجاهدون' للتصدي للاتحاد السوفييتي السابق بعد غزو أفغانستان العام 1979م، وقد تم تشجيع الحركات الدينية الجهادية في تلك الفترة، وتم تقديم كافة التسهيلات وأموال فلكية الأرقام، وتزامنت تلك المرحلة مع المرحلة الريغانية الأمريكية التي آلت على نفسها تدمير 'امبراطورية الشر'، المتمثلة بالاتحاد السوفييتي السابق، كما تزامنت تلك المرحلة مع الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه، واستمرت في زخمها الثوري الذي ترافق مع حرب شنها الرئيس العراقي صدام حسين على إيران عام 1980م، ولتستمر الحرب لمدة ثمان سنوات انتهت في العام 1988م بعد أن أتت على الأخضر واليابس، وأنهكت المنطقة عسكريا وماديا وبشريا، وزادت من احتقانات قومية وطائفية في المنطقة.
رافقت هذه المرحلة التي اتسمت بتراجعات الخطاب العلماني في مجمله، والفشل الذريع الذي اتسمت به الأنظمة التي رددته من القوميين والبعثيين، مرحلة الثورة الإيرانية التي قدمت الوجه الآخر لعملة الخطاب الديني السياسي في المنطقة بوجهه الشيعي، وقد تبلور الموقف السياسي لهذا الخطاب حول 'ولاية الفقيه' الذي طور فكرته وصاغه ونظر له قائد الثورة آنئذ الإمام الخميني.
كانت نهاية الحلم الفاشي الوحدوي العربي بغزو العراق للكويت عام 1990، وهو الحدث الجلل الذي أحدث زلزالا لا تقل آثاره حجما عن آثار النكسة.
يؤسس هذا الكتاب للشباب كي لا يظنوا أن من يعادي الدولة الدينية إنما يعادونها لأهواء خاصة، أو لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله- مثلما يروج خصومهم، بل يعزز مسيرة المطالبات بالدولة المدنية وبمؤسسات المجتمع المدني، ويثري تراث هذه المطالبات الصادقة التي تنشد الخير والتعايش والتقدم والتطور والسلام الاجتماعي.
إن المتغيرات التي تعيشها المنطقة، وما واكبها من تشتت في الخطاب المدني، يستدعي التركيز على نقاط محورية وجوهرية في صياغة هذا الخطاب، وأن يتوجه مباشرة للقضايا التي تشغل شباب التيار المدني بشكل عام.

3 نعوت ومصطلحات:
3-1 تحديد:
عشنا ردحا من الزمن نعيش تحت المسميات الأيديولوجية المختلفة، وكان بعضنا يقبل تلك التسميات لأنه كان فاقدا للهوية أحيانا، أو لأنه يعتقد بأن معاندة الفكر الديني هو الحل الوحيد للتصدي له، ولقد ثبت خطأ كلا الموقفين، فلا التهكم على رجعية الخطاب الديني نجح في تفنيده، ولا قبول إلصاق الصفات الأيديولوجية التي يطلقها التيار الديني هو التعبير الحقيقي عن ماهية الموقف المدني.
ولقد كان التيار الديني يدرك أهمية اللغة وقدرتها على تقريب المؤيدين له، وعزل التيار المدني بكافة توجهاته، وكانت المعادلة بسيطة وسهلة: نحن إسلاميون وغيرنا ليسوا كذلك، وهذه تكفي – كما سنبين- لعزل خصومهم عن الناس وانحسار تأثيرهم في المجتمع.
تنادي هذه الورقة بمفاهيم ومصطلحات جديدة تتعامل مع 'الدين السياسي'، مع ضرورة التفريق بين الدين كعقيدة وإيمان خاص بالفرد، وبين من يمارس السياسة ويمتهن العمل السياسي تحت شعارات دينية. ويمكن اشتقاق الكثير من مصطلح 'الدين السياسي'، مفرقين بين الدين كعقيدة، وبين السياسة التي لا عقيدة ربانية لها، والتركيز على من يحاول أن يضفي على موقفه السياسي لغة دينية، أو أنه يغلف آرائه السياسية بغلاف ديني من حيث لغته ودعوته لآرائه.
الموقف الواضح من الدولة الدينية التي يحاول البعض أن يفرضها في مناطق كثيرة من العالم، ولعل واحدة من أشدها وضوحا هي الدعوات الصريحة والصارخة والواضحة التي يطرحها دعاة هذا الفكر في الكويت.
مع تحديد مفهوم الدول المدنية التي تطالب بالقوانين المكتوبة التي يتساوى أمامها جميع المواطنين بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو الدينية أو الطائفية أو اللغوية.
ولقد حارب الخطاب الديني كل القوى المدنية بحجج مختلفة على امتداد العصور، فالمفكرون كانوا زنادقة في العصور السحيقة، والمخالفون لهم كانوا ملاحدة وشيوعيين، وبعد سقوط الشيوعية، تغيرت النغمة إلى اليسار مع إبقاء صفة الإلحاد، ومنها إلى العلمانية، وبعدها بالليبرالية، ويسود هذه الأيام (أي مرحلة كتابة هذه الورقة) تسمية جديدة هي التغريبية. ولا شك بأن جعبة جهابذة الدين السياسي لن تفرغ في المستقبل من ابتداع تسمية جديدة لخصومهم.
وكان المبدأ والفلسفة المحورية في هذه التسميات من قبل قوى 'الدين السياسي'، هو ألا يكون هناك إسلاميون غيرهم، والإسلامي كلمة لها مدلول سياسي تختلف عن المسلم، فالإسلامي هو من يمارس السياسة بشعارات دينية-إسلامية، وهو بذلك لا يختلف –كسياسي- عن أي سياسي آخر يمارس السياسة بشعارات دينية- وإن كان مسيحيا أو يهوديا، فالمبدأ واحد، وبالنسبة للإسلامي فالمهم عنده أن خصومه غير إسلاميين، وهنا مربط الفرس.
فكلمة إسلامي مشتقة من الإسلام، وبالتالي فإن نعت السياسي بالدين وربطه به باحتكار هذه الكلمة، لها وقع السحر على كل ما عداها، فيكفي أن تستمع لمن يقدم على أنه إسلامي في مناظرة ما، كي تعلن نتيجة الفوز له بغض النظر عن فحوى ما يمكن أن يقوله خصمه السياسي الآخر.
ولقد أخطأت كثير من القوى المدنية بوقوعهم في هذا الفخ اللغوي، الذي له تداعيات نفسية على مراقب الصراع بين ما هو 'إسلامي' وما هو غير ذلك، لتعلن النتيجة قبل بدء النزال أصلا، لصالح من يمارس السياسة باسم الدين، وبين من قبل –سذاجة- أن يعطي خصمه السياسي حق احتكار الدين، ثم يقبل منازلته.
إن من السذاجة أن تعطي المتابع الانطباع أن الصراع هو بين الدين والسياسة، لا بل إن هذا ما ينشده من يمارس السياسة بشعارات دينية، إن من يقع في هذا الفخ قد أحرق أوراقه ودمر جسوره مع الناس. الواجب فهم أن كل هذه الفرق والجماعات تمارس سياسة، وأنه في ميدان السياسة تتساوى جميع الفرق، والحكم عليهم يكون من خلال برامجهم وما يمكن أن يطبقونه من هذه البرامج على أرض الواقع بما يفيد الناس، ولا يجب بأي حال من الأحوال الوقوع في هذا الفخ، والتفريق الواضح بين فريقين أساسيين ممن يمارسون السياسة: الفريق الديني والفريق المدني. وأن يعلن الواحد منا انحيازه وانتمائه، إن كان يريد الخوض في بحر السياسة: أمدني هو أم ديني.
إن من الغباء الوقوع في فخ أن الإسلام يقابله الليبرالية، فالليبرالية تقابلها المحافظة (LIBERALISM VS CONSERVATISM )، أو أن الإسلام يقابله الاشتراكية، فعكس الاشتراكية هو الرأسمالية (SOCIALISM VS CAPITALISM). تم خلط متعمد بأن الإسلام عدو الإلحاد، فالإلحاد نقيضه الإيمان بالله بغيض عن الدين الذي يمكن أن يعتنقه المؤمن (ATHEISM vs BELIEF)، وتم تعمد إشاعة أن الإسلام مناهض للعلمانية بينما نقيض العلمانية هو الدولة الدينية بأشكالها (SECULARISM VS THEOCRACY)، أو أن الإسلام يعاكس الديمقراطية، وهي مفهوم سائد وخاطئ، فالديمقراطية نقيضها الدكتاتورية (DEMOCRACY vs DICTATORSHIP)، والإسلام رسالة لم تأت لمحاربة اليمين ولا اليسار، فالمصطلحان سياسيان جاءا من البرلمان الفرنسي في القرن التاسع عشر لوثف المعارضة التي كان تجلس يسار القاعة، والحزب الحاكم الذي كان يجلس يمين القاعة (RIGHT vs LEFT) وهكذا.
يحاول دعاة الدولة الدينية أن يضعوا الإسلام في مصاف الأيديولوجيات والمفاهيم الإنسانية، بينما يناضل المدنيون بالرقي بالإسلام فوق كل هذه المصطلحات والسمو به، فالإسلام ليس كمثله شيء في نظر التيار المدني، ولا يجب لأي حال من الأحوال أن يقارن بشيء دنيوي وإنساني. وأولئك الذي يستخدمون الإسلام للترويج لسياستهم ولوصولهم للسلطة والمال والنفوذ، إنما يحاولون أن يوازوا بين الإسلام وبين مفاهيم دنيوية وإنسانية، وفي ذلك استغلال للإسلام يمارسه دعاة الدفاع عنه ومن يقولون أنهم حماته.
إن تسمية دعاة الدين السياسي ب(الإسلاميين) خطأ كبير، لأن ذلك يلغي 'الإسلامية' عمن سواهم، وفي هذا ظلم للآخرين وتقديم هدية مجانية لهم باحتكار الدين، كما أنه مغالطة في تعريف الخطاب المدني الذي تنبع مطالبه من جوهر الدين، ويتمحور خطابه حول القيم الأساسية للدين، لكن دعاة المدنية يرفضون استخدام الدين شعارا لأهدافهم السياسية، ولذا فإن عليهم رفض تسمية خصومهم بالإسلاميين، لأنهم ليسوا في نقيض مع الإسلام، وليسوا في صراع مع الدين، بل على العكس من ذلك- فإنهم حماة الدين الحقيقيين كما سنبين لاحقا.
3-2: الاختلاط نموذج التلاعب اللغوي:
شكلت حرب القوى الدينية السياسية على التعليم المشترك نموذجا لقدرة هذه التنظيمات على التلاعب اللغوي الذي له تأثير السحر على مشاعر الناس، وكانت حربهم- ولا تزال- بلا هوادة على التعليم المشترك الذي تخرجوا منه وأبناؤهم وبناتهم وزوجاتهم- سواء داخل الكويت أو خارجها، ومع هذا فقد شنوا حربا ضروسا لم تتوقف حتى سن قانون في مجلس الأمة يمنع ما أسموه 'زورا' بالاختلاط. فكلمة الاختلاط توحي بالخلط، ولها وقع الفوضى، فيقال 'اختلط الحابل بالنابل'، ويقال عن المكسرات المخلوطة ببعضها باللهجة الكويتية 'حب مخلط'، وتوحي الكلمة بنوع من الفوضى التي لا نظام ولا تنظيم ولا ترتيب فيها. وللكلمة وقعها وإيحاءاتها الجنسية التي لم يتردد الخطاب الديني السياسي عن ترديده في مناسبات مختلفة، فربط التعليم المشترك (الاختلاط) بالمواليد الغير شرعيين وأصدر بيانات تدين كل من يطالب بحرية التعليم المشترك، بل وراح يطعن كل من ينادي بحرية التعليم في أخلاقه وسلوكه. إن إقرار القانون الذي سمي قانون 'الاختلاط' هو إدانة لجيل بأكمله، وهو عمليا يعني أن كل من درسوا في جامعة الكويت وكافة الأماكن التعليمية المشتركة، هم أناس -في أقل الأحوال- مشكوك في سلوكهم وأخلاقهم. إن نواب الدين السياسي الذين أقروا قانون 'الاختلاط' لم يكونوا في موقع يؤهلهم بفرض ذلك القانون، لأنهم جيل المرحلة التي كان التعليم فيها مشتركا، وبالتالي فإن ما ينسحب من التشكيك في سلوك وأخلاق ذلك الجيل، ينسحب على سلوك وأخلاق النواب أنفسهم.
والحق أن بعضا من القوى التي تدعي الليبرالية حادت عن الطريق من هدف حرية التعليم المشترك كأحد مبادئ خيارات الناس الحرة أولا، ولقيمته التعليمية التي يمكن أن تنعكس على التحصيل التعليمي والإدراكي للتلاميذ والطلاب. وراح دعاة الليبرالية- بكل غباء- يدافعون عن 'الاختلاط' مرددين لغة الدين السياسي ليقعوا في فخ التلاعب اللفظي الذي جرهم إليه خصومهم بكل ذكاء وخبث. وتحول الجدل من الدفاع عن الحرية كمبدأ، وعن التعليم المشترك كقيمة وكمحفز، إلى الدفاع عن 'الاختلاط' أو محاربته، وهي معركة محسومة سلفا للتيار الديني السياسي.

....
يتبع ...
 

الصامت

عضو بلاتيني
الجزء الثاني :


3-3 لا للاختلاط، لا لفرض التعليم المشترك:
يجب أن يكون الموقف من مسألة التعليم واضحة:
نعم للتعليم النوعي، لا للاختلاط الذي بينا المقصود من معناه اللفظي، ونعم لحرية التعليم المشترك من عدمه. أي أن المبدأ هو في حرية الاختيار بين التعليم المشترك والتعليم الغير مشترك، فالواجب محاربة فرض التعليم بنفس درجة الحرب على التعليم الفصلي (الذي يفصل بين الجنسين)، والتمسك بمبادئ الحرية في التعليم.
لقد أسست لمبدأ الحرية هذا أعرق الدول وأكثرها تمسكا بمبادئ الحرية، فكان هناك مدارس وكليات وجامعات في العالم المتقدم مخصصة لجنس واحد فقط، ولكن الناس مخيرة بين أن ترسل أبنائها للمدارس المشتركة أو لتلك التي لا تسمح بالتعليم المشترك.
إن الخطاب المدني ينادي بالآتي: لا لفرض التعليم المشترك، ولا لفرض العزل بين التلاميذ، ونعم لحرية الاختيار بوجود مدارس مشتركة وأخرى معزولة وللناس حرية إرسال أبنائهم أينما أرادوا. ونعم كبيرة للتعليم النوعي الذي أنستنا إياه معارك (الاختلاط) التي خضناها في الكويت عنوة من قبل تيار الدين السياسي منذ بداية السبعينات.
4. المدنية في مواجهة الطائفية والإرهاب:
إن تعزيز الفكر المدني وتجذير خطابه ونشر مفرداته، هو حاجة ملحة في ظل الاستقطاب والاحتراب الطائفي الذي يجتاح المنطقة بأشكال عديدة، أكثره دموية ما جري في العراق، وأقله- وقد يكون أخطره- هو في الخطاب الطائفي الذي تغذى به عقول الشباب في بعض المنتديات السلفية، وفي بعض الحسينيات المتطرفة، وفي حلقات الذكر الطائفية بكافة أشكالها، وليس من المبالغة القول أن كل الأحزاب الدينية السياسية هي أحزاب طائفية بطبيعتها، ذلك أنها تعتمد على فهم واحد للدين، وبالتالي فإن مواقفها السياسية مبنية على هذا الفهم دون سواه، ويختلط لديهم السياسي بالديني بحيث أن من يختلف معهم من الطوائف الأخرى التي تمارس الدين السياسي وفق منظورها يدخل في خانة التكفير و'الانحراف'. وكانت القوى المدنية ولا تزال هي الدرع الواقي بين أطراف النزاع الديني السياسي على أسس طائفية ذلك أن كل فريق يسدد سهامه صوب التيار المدني 'الأسهل' مهاجمة وتأجيلا لساعة الحسم والإلغاء للطرف الطائفي الآخر متى وصلوا إلى السلطة.
ولنا في نظام طالبان الأفغاني خير دليل، فما أن وصلوا للسلطة حتى بدأوا بتصفية وعزل كل من يختلف مع نظرتهم لفهم الدين السياسي. وكذلك النظام السوداني، الذي بدأ بانقلاب التحالف بين العسكر والجبهة الإسلامية القومية للتخلص من الحكم البرلماني للصادق المهدي، وسرعان ما انقلب الحلفاء على بعضهم، فنحى العسكر حلفاؤهم الدينيين وزجوا بزعيمهم حسن الترابي بالسجن، وبقي النظام إلى اليوم يرفع شعارات الدين السياسي، ويعيش السودان حالة من المآسي والفوضى تصل قمتها في مذابح دارفور المسلمة!!
ويقوم النظام الديني في إيران على فهم مذهبي واحد للدين يلغي كل ما سواه من المذاهب الأخرى. ولا يرى دعاة السلفية في المملكة العربية السعودية من الناجين من النار سواهم من الفرق الإسلامية الأخرى.
كما أن الأحزاب الدينية العراقية صفت- ولا تزال- تصفي بعضها في ظل غياب قوى مدنية عراقية يمكن أن تكون عاملا مشتركا لهذه الأحزاب تلهيها- ولو إلى حين- عن مقاتلة بعضها البعض.
إن أخطر ظواهر هذه المرحلة هو غياب القوى المدنية التي تمتلك خطابا واضحا وفعالا في مواجهة الطائفيين الذين يرددون دوما بأنهم ضد الطائفية، وهم في حقيقة الأمر أقاموا تنظيماتهم ونشاطاتهم وجمعياتهم المختلفة على أساس طائفي بحت. ولقد تعزز فكر هؤلاء الطائفيين من خلال الغياب المدني والجفاف الفكري لدى القوى المدنية التي انكفأت بعد أن يئست من مجابهة التخلف. أو بعد أن فقدت زمام المبادرة والقدرة الخلاقة على ترجمة فكرها المتطور، ومقارعة الحجة بالحجة، لأن ذلك سلاحها الاستراتيجي الذي تراهن على النصر من خلاله. كما أن التجديد في الفكر والمصطلحات اللغوية هو سمة المدنية، وصفة ملاصقة لقوى التطور والتحديث، بينما ترى القوى الدينية أن العودة إلى الوراء واستعادة الماضي التليد هو المحور الذي يتم حوله تجنيد الأنصار، وبرمجة عقول الشباب. ولا يوجد خطاب سياسي يدعو للعودة إلى الماضي، بحجة وهم تحقيق شيء للمستقبل والحاضر سوى الخطاب الديني السياسي.
لعل أهم العوامل التي ساهمت ولا تزال في انتشار فكر الإرهاب هو انعدام البديل الفكري المدني الذي يعلن صراحة رفضه للخطاب السياسي الديني، وتمسكه بالدولة المدنية وبناء الحكم الرشيد، فغالبية الحكومات التي تحارب الإرهاب بالسلاح، لا تقرن حربها تلك بطرح بديل لفكر الإرهاب، بل إنها تمارس المزايدة عليه، ولسان إعلامها يردد ليل نهار بأن التطرف انحراف ديني- وهو كذلك، لكن الحكومات العربية تدعي بأنها تمثل الدين الحقيقي والورع والتقى، وهي ليست كذلك، وتجد الإنسان العادي أسير المقارنة بين حكومات فاسدة تدعي الورع، وبين إرهابي متطرف يدعي الورع والتقى أيضا، وعندها تسقط الحكومات في هذه المقارنة، إذ يعايش الإنسان جحيم الحكومات وتخلفها وقمعها وفسادها، ويدفعه اليأس والإحباط إلى التعاطف- وربما التأييد- للتطرف والإرهاب ما لم يكن قد اكتوى بنار الإرهاب بشكل مباشر. والملاحظ أن العمليات الإرهابية تزيد من أعداء مرتكبيها يوما بعد يوم، فكلما انفجرت قنبلة في عاصمة دولة إسلامية، سالت معها الدماء، ومعها تراكم الكره للقائمين على هذه العمليات وازداد عدد خصومهم. لكنهم خصوم يفتقدون الملاذ الذي يمكن أن يلجئوا إليه، والخطاب الذي يمكن أن يروي عطش تساؤلاتهم الملحة: أين البديل؟ وما هو؟
إن المطلوب من الحكومات العربية الرشيدة- إن وجدت، أن تعلن بأنها ضد التطرف لأنها ضد العودة إلى الوراء، وبأنها لا تقبل أن تعيش في وهم الماضي والحنين إلى سراب الخلافة أو وهم ولاية الفقيه، وتترجم بديلها الرشيد على شكل الحريات والرقابة والنظام وسيادة القانون ومكافحة الفساد. بدلا من المزايدة على الخطاب الديني والنزول إلى ساحة أهل التطرف في محاولة لخطف بضاعتهم الفكرية التي يقتاتون عليها.
5. ثقافة الإلغاء:
أشرت في البداية إلى أن صاغة الخطاب الديني السياسي أدركوا أهمية احتكار التسميات كي يتم إلغاء خصومهم بشكل تلقائي، فالمجتمع سيرفض مباشرة من هو غير 'إسلامي'، ويعلل صاغة الخطاب الديني السياسي موقفهم هذا بأنهم لا يقولون بأن الآخرين ليسوا مسلمين، ولا نكفر الآخرين ولكننا 'إسلاميون' وغيرنا ليس كذلك، وفي ذلك مغالطة متعمدة، وتلاعب لغوي خطير، فكان أن تصدى لهم خصومهم بتسميات مختلفة 'كالإسلاموية' وقالوا عنهم بأنهم 'متأسلمون'، وهي تسميات خاطئة في نظري، وتعكس عداء أكثر من كونها تعكس تفنيدا للموقف الديني السياسي وخطابه. كما أنها شمولية في تصنيفها لكل الذين يرفعون شعارات الدين السياسي، وفي ذلك ظلم للكثير من الشباب المخلص المتحمس الذي تمت تعبئته بالخطاب الوحيد المتاح والأسهل: الخطاب الديني السياسي، والذي يحاصرهم من المهد مرورا بالمناهج فالمدارس والمساجد والجمعيات والوزارات إلى اللحد، في ظل غياب خطاب مدني بديل واضح ومعقول.
إن الكثير من أتباع الخطاب الديني السياسي هم من المخلصين الذين لم تتح لهم فرصة الاطلاع على الآخرين، وتم تغييب عقولهم وعزلهم عن الفكر الإنساني عموما- والمدني على وجه التحديد، وردد سدنة هذه المدرسة ومفكروها كلاما عن كل الثقافات السياسية الأخرى هو أقرب إلى الخزعبلات منه إلى الحقيقة، وكرروا على مسامع الآلاف من مريديهم وطلابهم عبارات إلغائية لا تقيم لأي طرف غيرهم فرصة في إمكانية القبول والتمعن بها.
ومثلما تهكم مناوئو الفكر الديني السياسي، ألغى قادة هذا الفكر كل من يخالفهم، والصقوا به تهما جاهزة، لعل من أسهلها وأقربها للاستعانة بها هو سلاح التكفير بعد الإلغاء.
ولعل مسألة احتكار الدين تعكس ثقافة الإلغاء في تاريخنا السياسي، فمن نافل القول أن تاريخنا السياسي لم يعرف بالتعايش بين الاجتهادات المختلفة، ولم يسجل لنا التاريخ أن المذاهب الدينية الإسلامية –ناهيك عن غير الإسلامية- عاشت فترات طويلة متعايشة مع بعضها البعض. (لعل تجربة قرطبة والأندلس هي الاستثناء المنقرض الذي لم يدم طويلا).
كما أن تاريخنا السياسي لم يسجل لنا حاكما واحدا انتقل له الحكم من خلال صناديق الاقتراع، أو أن انتقالا سلميا واحدا للسلطة تكرر أكثر من مرة، أي أنه لا يوجد نموذج واحد في تاريخنا السياسي تكرر وبالتالي يمكن الاستناد إليه على أنه أصل في تراثنا السياسي.
والواقع أن الإسلام وضع أساسا لنظرية الحكم من خلال آية 'وأمرهم شورى بينهم' (الشورى38) التي يمكن أن تفسر تفاسير مختلفة، ولعل هذه القاعدة- على عموميتها- تعكس إيمانا بتغير الزمان والمكان والظروف، وبالتالي حق كل جيل ومجتمع على أن يختار نظام حكمه بالطريقة التي تضمن انتقال السلطة السلمي وتداولها ما دام أصل القاعدة هو التشاور الجماعي بالطريقة يرونها صالحة لهم ولمجتمعهم.
6. احتكار الإسلام والدفاع عنه:
مشكلة الخطاب الديني السياسي:
لعل نقطة الضعف الأساسية في الخاطب الديني السياسي أنه لا يمتلك أدوات التحليل العلمية لتفسير ظواهر ومستجدات عولماتية تتكاثر أمام أعين الشباب كل يوم، ولا يملكون تفاسير لما يمكن أن يطرأ من تطورات علمية، وكل ما على المراقب في الكويت أن يستعرض الساحة المحلية وما آلت إليه الأمور في كافة مناحي الحياة منذ أن سيطر عليها قوى الدين-السياسي: التعليم، الرياضة، الخدمات الصحية، المرور، التركيبة السكانية، معدلات الجريمة، انتشار المخدرات، انتشار ظاهرة المثلية الجنسية، الفساد البرلماني، النفاق السياسي وغيرها. قد يقول قائل أن إلقاء هذا التردي على هيمنة الدين-السياسي في ظلم كبير، وهو كذلك، ولكن لا يمكن لأي منصف ألا يرى علاقة- بشكل أو بآخر- بين هذا التدهور الكبير وتراجع القوى المدنية وضعفها، في مقابل اكتساح كبير للقوى الدينية في كافة مفاصل الحياة في الكويت.
ويستند الخطاب الديني السياسي دوما في تعزيز الموقف الديني السياسي إلى آراء فقهاء أو علماء لا نعرف عددهم التقريبي- ناهيك عن استحالة معرفة عددهم الدقيق، فالرأي الديني السياسي لتفسير ظاهرة ما هي في 'أقوال العلماء'؟ لكن إن سألت عن مواصفات هؤلاء العلماء أومن ينطبق عليه وصف العلم ومواصفاته، وكيف يصبح الواحد عالما، لا تجد إجابة شافية. ولعل هذا الغموض في مواصفات 'العالم' هي التي جعلت كثيرا ممن هب ودب يدخل عالم السياسة من بوابة الشعارات الدينية، ويطلق الفتاوى السياسية الدينية التي تلائم طموحه السياسي.
وكذا الأمر بمن يسمون فقهاء الأمة؟ فما هي المواصفات التي تنطبق على الفقيه؟ هل هو خريج الأزهر أم قم أم أنه خريج أم القرى أم النجف أم ماذا؟ وكم يبلغ عددهم؟ وما هي نسبة من 'أجمع' من الفقهاء أو 'اختلف الفقهاء'؟ وما عدد من وافق على هذا الرأي أو ذاك؟ وما عدد من اختلف مع هذا الرأي أو وافق عليه؟
هذه أسئلة لن تجد لها إجابة أبدا في أدبيات دعاة الدولة الدينية. وإن حاولوا أن يجيبوا ويحددوا مواصفات الفقيه والعالم الذي يمكن أن يفتي بالسياسة، فإنهم حقا سيقعون في المحظور والخلاف الطائفي الخطير: هل بين من تنطبق عليهم شروطكم هذه علماء وفقهاء من الشيعة والسنة؟ وهنا تكون الإجابة حتما كارثة. وسوف تقودك إلى اجتهادات وخلافات فقهية تعيدك إلى المربع الأول، والأخطر –حتما سيندلع- لو استمر الجدل حول تحديد مواصفات العلماء والفقهاء بين الطائفتين الكبريين لدعاة الدولة الدينية!!
لقد نجم عن هذا الغموض الذي يكتنف الرأي الديني-السياسي فتاوى متضاربة، فكلنا يعرف بفتاوى تحرم تصويت المرأة، وأخرى تجيزه، وثالثة تحرم ترشيحها لكنها لا تمنع تصويته، ورابعة تجيز الترشيح والتصويت معا!! ولنا أيضا في تحريم النظام المصرفي فتاوى متعددة، صحيح أن الكل مجمع على تحريم الربا، ولكن القول بأن المصارف والبنوك هي ربوية بالمطلق، فيه قولان وربما أكثر!!
ولكل من هذه الآراء دلائله وحججه، ولسنا هنا في معرض تحديد الصحيح من غير الصحيح، ولكننا نسوق هذه الأمثلة لندلل على أن الفتاوى السياسية تتفاوت حسب 'الفقيه' أو 'العالم' أو المفتي، أو الزمان والمكان.
7. تسييس الدين وتدين السياسة:
7-1 الدولة المسلمة، والأمة الإسلامية:
يجب أن نوضح هنا الفرق بين الدولة الإسلامية، وبين الدولة المسلمة، فكثيرا ما طالب الخطاب الديني السياسي بإقامة الدولة الإسلامية، وردد رواد الدين السياسي شعار 'الإسلام هو الحل'، فكان شعارا 'ظاهره الرحمة وباطنه العذاب'، فالمطالبة بإقامة شيء ما يعني إما إقامته في أرض فضاء خالية لا دول بها، أو هدم الدول القائمة وتقويضها لبناء الدولة الدينية على أنقاضها.
لذلك فالمطلوب رفض تسييس الدين والمناداة بتدين السياسة، وهي مسألة تعني رفض رفع الشعارات الدينية لتحقيق أهداف سياسية، وقبول رفع الشعارات السياسية لتحقيق أهداف حث عليها الدين ونادت بها كافة الأديان. فالمشاركة السياسية، والحرية والعدالة والمساواة أمام القانون، والسلم الاجتماعي والتقدم والتعايش واستقرار فئات المجتمع المختلفة في دولة ما، هو من صلب الدين وجوهره. بينما يكون الرفض لشعارات الدين لتحقيق الأهداف السياسية هو سمو بالدين ونأي به عن السياسة وألاعيبها وتقلباتها وأولوياتها التي تفرضها المصالح البراجماتية المتقلبة.
إن تدين السياسة كمفهوم يعني أنك تطالب بمطالب سياسية دنيوية تنشد بها الخير للناس، وبالتالي فإن كل ما يحقق الخير للناس لا بد وأن يكون من جوهر الدين، فالعلم والمعرفة والصحة والنظافة البيئية والعدالة والمساواة والاستقرار والسلم الاجتماعي مسائل تعتبر من جوهر الدين، فأن ترفعها كشعارات سياسية يعني أن شعاراتك 'متدينة'، بمعنى أنها لم تخرج عن لب الدين وجوهره.
وعلى العكس من ذلك، يكون الرفض لتسييس الدين، بمعنى أن ترفع شعارات دينية لتحقيق أغراض سياسية دنيوية بحتة، وربط تلك الشعارات بالدين. فأن ترفع شعارات دينية لتحقق أهدافا سياسية، فذاك استغلال للدين، ومحاولة للنزول به إلى ساحة السياسة المليئة 'بالتكتيكات' وتقلب المواقف وتغير المصالح. فالدين 'محجة بيضاء'، الحلال فيه بين والحرام بين، بينما للسياسة مواقفها الضبابية والرمادية، وانتهازيتها وتغيراتها، فالعامة تقول أن 'السياسة وسخة'، ويقولون أن السياسة كبائعة الهوى التي تنتقل من عشيق إلى آخر حسب مصلحتها المادية الصرفة.
إن المطالبة بتسييس الدين يعد مطالبة بالنزول بالقيم الدينية الروحانية الربانية الجميلة إلى عالم السياسة الذي لا يعرف الأخلاق، ويدور في فلك المصالح الدنيوية البحتة.
7-2 استغلال الدين واستغلال المدنية:
لا حصر للأمثلة التي يمكن أن يسوقها المتابع والباحث لمجاميع من الناس استغلت الدين أيما استغلال، فكم أشارت الناس لذاك الذي بدأ خطيبا بمسجد، ثم نائبا بمجلس الأمة، ثم وزيرا، ثم واحدا من أثرياء الأثرياء، وكلنا يتذكر مظهره وهيئته التي توحي بالورع والتقى والزهد حين كان واقفا على المنبر يحاضر عن المثل والقيم والتعاليم الدينية الجميلة. بعد غمار السياسة، ووصوله للسلطة البرلمانية أو الوزارية أو الحكم، تحول منظر ذاك الإنسان وانقلب انقلابا: 'شذب' لحيته وقصقصها حتى كادت تختفي، وزالت مظاهر التقى والورع، وبدأ ثوبه بالنزول نحو الأرض شيئا فشيئا بعد أن كان منكمشا حتى كرش ساقه، وبدت عليه مظاهر الثراء و'الفخفخة' من السيارة الفارهة وحتى أماكن قضاء إجازاته ورحلاته إلى بلاد 'الكفار' وغير المسلمين. لا بل إننا رأينا بالأمس القريب، من هم ضد المرأة وتوزيرها وتصويتها وعدم لبسها الحجاب ودخولها البرلمان، ثم دافعوا وجددوا الثقة بوزيرة التربية الكويتية السيدة نوريه الصبيح، بعد استجوابها رغم أنها غير محجبة؟ ورأينا نوابا خطبوا وأموا المصلين وتصدوا لكل من طرح حق المرأة السياسي، يتراجعون في لحظة تصويت إقرار المرأة لحقوقها البرلمانية في الكويت.
وللموضوعية، فالشيء نفسه يمكن أن يقال عمن كانوا من الثوار الذين دعوا للمثل والقيم الثورية أو المدنية التي يذوب الفرد فيها بمطالب الجماعة، ويغادر الثائر الحالم المؤمن بها زيف الدنيا وترف الرأسمالية الرثة، إلى عالم المساواة والاشتراكية والعدالة، ولكنهم سرعان ما ينقلبون على تلك القيم التي تحولت إلى مطية للوصول إلى السلطة المطلقة والنهب والثراء غير المشروع على حساب الجماهير 'والعمال والفلاحين' الذين رفع شعارات الدفاع عنهم.
لكن الفارق أن هذا الفريق تاجر بنظريات وأيديولوجيات من صنع البشر والإنسان، بينما تاجر أصحاب الدين السياسي بالدين الرباني، وبالقيم الدينية التي لا يملكها فريق دون آخر، وإنما هي 'رحمة للعالمين' جميعا، ولكافة المؤمنين بها، وليست حكرا على ساسة استخدموها للوصول للسلطة والنفوذ والمال. أي أن ذنب من يتاجر بالدين لأهداف سياسية، يختلف عن ذاك الذي يتاجر بشعارات سياسية بحتة قد ينقلب عليها، فالأول كان يدعي أن ما يرفعه من شعارات، هي شعارات ربانية إلهية، والثاني يدعي بأن شعاراته مثل 'ثورية' صاغها مفكرون وساسة ثوريون لم يدع العصمة الإلهية لها. فشتان بين الفريقين، وإن كانت نهاية انتهازية كل منهما واحدة: استغلال السياسة بشعارات مختلفة لتحقيق أهداف دنيوية بحتة.
فأيهما أكثر إثما وجريمة في حق الدين: الذي يرفع شعارات الدين لأهداف سياسية ثم يحيد عنها؟ أم الذي يرفع شعارات دنيوية لأهداف سياسية ثم يحيد عنها؟
8. لا لعزل الدين عن السياسة! لا لفصل الدين عن السياسة!
لقد سادت شعارات خاطئة، نسخت من التجربة الإنسانية نسخا، ومنها 'عزل الدين عن الدولة'، أو المطالبة 'بفصل الدين عن الدولة'، والخطأ في هذه الشعارين أن الأول يساوي الدين بالدولة، والثاني توأم الدين بالدولة، فكلا الشعارين لا منطق لهما، فالدين لا تساويه دولة، فالدين عكسه الإلحاد، وليست الدولة، فعكس الدولة هي الفوضى وليس الدين. والفصل لا يتم إلا بين شيئين ملتصقين، والدين والدولة ليسا ملتصقين أبدا، ولكن من تاجر بالدين من أجل السياسة هو الذي قال بتوأتهما، وبالتالي قال بفصلهما، كما يفصل توأمين ملتصقين بعملية جراحية.
لا تنادي المدنية بعزل الدين عن الدولة، ولا تقول في فصله عنها، فالدين يخص الأفراد، ولا يخص الدول، فالدولة لا تذهب للكنيسة أو المسجد أو المعبد أو أي مكان آخر للعبادة، والدولة لا تمارس طقوسا دينية ولا تصوم ولا تصلي، ولكن الأفراد والناس هم الذين يمارسون العبادات والطقوس ويقيمون الشعائر.
إن المطلوب هو تنزيه الدين عن السياسة، وليس عزلها عنه، والمطلوب هو السمو بالدين فوق السياسة وعالمها المتقلب ومصالحها الدنيوية، والحفاظ على الدين بالنأي به عن 'شقلبات' الشعارات، وتغير المواقف: ليس في السياسة صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، وإنما مصالح دائمة.
إن المحافظة على الدين والدفاع عنه، لا تكون بجره إلى خوض المعارك السياسية وإنزاله في ساحة الحروب الكلامية التي تدغدغ الجماهير، ولا تنشد مرضاة الله جل وعلا، فالسياسي يقول ما لا يؤمن به، ويطالب بمطالب قد لا ترضي الله والدين، وقد يتبنى اليوم مواقف كان يقول بتحريمها بالأمس. ولنا في رفض تعليم الإناث حتى الستينات دليل على التراجع عن ذلك الموقف الذي تغير بتغير الظروف والزمان، ولو كان الأمر دينيا عقائديا بحتا، لما كان التراجع عنه.
وكذلك في حالة حقوق المرأة السياسية خير دليل، فبعض دعاة الدين السياسي قالوا بتحريم مشاركة المرأة السياسية، ولكنهم تسابقوا بعد إقرار حقوقها في الكويت إلى نيل أصواتها وتبني مطالبها.
تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض المتطرفين لا زالوا متمسكين بكلا الموقفين الرافضين لتعليم المرأة وحقوقها السياسية، ولكنهم أصبحوا قلة في وجه حركة التطور التي لم يستطع الوقوف في وجهها غالبية من كانوا ضدها.
9. التفاؤل زاد البقاء:
من نافل القول أن هذه الورقة هي دعوة للتفاؤل، وأن كتابتها- بغض النظر عن مدى الاتفاق على فحواها- يترجم إيمان كاتبها بالتفاؤل، وأنها رسالة إصرار على المستقبل، وعربون إيمان بالإصرار على الحياة المتقدمة التي تنشدها كافة القوى المدنية في الكويت- والمنطقة عموما.
كثيرون ممن أصابهم الإحباط واليأس يعتقدون بأن الحالة المتخلفة التي تعيشها منطقتنا هي حالة سرمدية، بل إن بعض الكتاب والمثقفين بدأوا ينظرون لحالة جينية يعاني منها العرب والأمة الإسلامية بوجه عام، وهذا الحالة ليست خصوصية لبعض مثقفينا، ودرجة الإحباط هذه عايشها قبل شعوب أخرى.
ففي الصين، مع بدايات القرن الماضي نظر من طالب بالثورة على الحكم الامبراطوري بتخلف جيني في العرق الصيني بعد أن تقطعت الصين إربا يعيث فيها القهر والفقر والتخلف والرذيلة والمخدرات والحروب فسادا بعد تضحيات أسطورية. قدم الصينيون في تلك التضحيات ملايين من الضحايا في ثورات البو كسينغ والتاي بينغ ثم ثورة سين يات سين عام 1911م التي قضت على الحكم الامبراطوري الذي استمر ألف عام. لكن حالتهم بعد كل تلك الثورا والتضحيات صارت أسوأ مما كانت عليه قبل سقوط الحكم الابمراطوري، فكان أن أصيب منظروهم ومفكروهم بحالة من الإحباط دفعت إلى تنظير جلد الذات.
كان الصينيون يعلقون كل مشاكلهم على الحكم الامبراطوري، وبأنه ما أن يتم التخلص من هذا النظام حتى يعم الخير والسلام، فتعاقبت الثورات، وتتالت التضحيات، وسقط الحكم الامبراطوري، ولكن ما تلاه كان أسوأ بكثير من الحقبة الامبراطورية. حيث دخلت البلاد في التقسيم والفوضى وحكمها لوردات الحروب واحتلها اليابانيون وعاثوا فيها فسادا، فتراجع معظم من نظر للثورة، وتحسروا على أيام الامبراطورية ولسان حالهم يردد 'رحم الله الحجاج، فقد كان أرق بعباده'.
ولعل حالات الإحباط تتناثر في أدبياتنا العربية وشعرنا الحديث، حيث تتراكم ثقافة جلد الذات، وتتكرر عبارة الزعيم المصري سعد زغلول 'ما فيش فايده يا صفيه'، وترى هناك جهدا منظما لقوى التخلف والفساد بإشاعة الكسل الذهني، ونشر ثقافة الخمول الوطني والاستسلام للواقع مرددين 'إن طاعك الزمان، وإلا طيعه'. ويتشكل هذا التيار من الفساد كأحد طرفيه، ويمثل الطرف الآخر دعاة الدولة الدينية، حيث تراهن قوى الفساد والملذات الخاصة على جرف الشباب إلى التفكير بأنفسهم ومصالحهم الخاصة على حساب مصلحة الوطن، بينما شمرت قوى دعاة الدولة الدينية عن سواعدها لدفع الشباب نحو الإحباط انتظارا للحلول الربانية الخالدة يوم القيامة، أو ربما ما هو أخطر- بدفع الشباب نحو الانتحار السياسي تحت شعارات 'الجهاد' والموت في سبيل الله بدلا من 'العيش والحياة في سبيل الله بخدمة الوطن والتمسك بثوابت القيم الوطنية والتقدم والمدنية. فالعيش في سبيل الله أصعب بكثير من الانتحار باسم 'الموت في سبيل الله. فالثاني لا يتطلب أكثر من لحظة يغيب فيها العقل، وينتهي كل شيء، بينما يتطلب 'العيش في سبيل الله' جهادا دؤوبا صعبا في مجالات العلم والتعليم والصحة والنظافة البيئية والقيم الوطنية وإقامة دولة العدالة والقانون والمساواة والبناء والتنمية والاستقرار والتعايش السلمي.
إذن، فإن المؤمل من هذه الورقة أن تصب جهود من يبشرون بالتفاؤل، وأرى أن مظاهر التخلف والحروب والفرقة بدايات النهاية للتخلص من إرث الخطاب الديني السياسي الذي بلغ مداه في عصرنا، والذي من المستحيل له أن ينهض بالأمة ويجاري المجتمع الدولي والإنساني في تطوره. كما أنني أفهم أن التطرف هو حالة ومؤشر من مؤشرات اليأس لدى قوى التطرف التي لا يمكنها أن تقدم بدائل عصرية عملية تتعامل مع متغيرات عالمية في حركة دءوبة لا تتوقف.


10. لا تكن بموقع الدفاع، فأنت الحامي الحقيقي للدين.
إنه لظلم كبير ذاك الذي تعرض له من يطالب بالدولة المدنية، ويعلن رفضه التام للدولة الدينية التي لا تكون قوانينها مكتوبة ومطبقة على المواطن بغض النظر عن خلفيته الدينية أو الاجتماعية أو المذهبية. ذلك أن أعداء الدولة المدنية وخصوم الصوت المدني نجحوا في تصوير من يطالب بالمدنية بعدائه للدين، وذاك محض افتراء، وتزوير للحقيقة، فالمطالب بالدولة المدنية هو المدافع الحقيقي عن الدين بتنزيهه للدين عن السياسة، وتقديسه للإيمان الروحي فوق ألاعيب السياسة ودهاتها، ولذلك فإن على من يطالب بالدولة المدنية أن يؤمن إيمانا راسخا بأنه المدافع الحقيقي عن الدين، وبأنه من يذود حقا عن حمى الدين وقدسيته في مواجهة من يريدون اختطافه وتسخيره لأغراض السياسة وألاعيبها وأهدافها الدنيوية.
ومن المهم جدا أن تترسخ هذه القناعة لدى كل من يطالب بالدولة المدنية، وكل حريص على نقاء الدين من دنس السياسة. وعلى الشباب المدني تحديدا أن يكون عنيدا وواضحا في إيضاح هذا الموقف النقي والطاهر، وأن يتذكر دوما بأنه بتبنيه للخطاب المدني، وسعيه الدؤوب لبناء الدولة المدنية إنما يدافع في الوقت نفسه عن الدين ويحميه من هجمات السياسة وتقلباتها المصلحية التي تتبدل كتبدل اتجاهات الريح في يوم عاصف.
إن مثل هذه القناعة متطلب ابتدائي لكل مناد بالدولة المدنية، وأساس من أساسيات تعزيز الخطاب المدني، وهو أننا بنهجنا المدني ونأينا بالدين فوق السياسة، قد أعلنا بأننا في خندق المدافع المستميت عن الدين، وليس العكس، وبأننا بهذا الفكر المدني نقوم بحماية الدين من دهاقنة السياسة ومصالحها المتقلبة، وليس كما سوق أعداء المدنية بأنها ضد الدين.
11. خاتمة:
لقد تبارت القوى السياسية جميعا في عالمنا العربي دونما استثناء في سباق النعوت، وإطلاق الصفات وتنميط الخصوم، ولا استثني أحدا في هذا المجال، مما أحدث لوثة لغوية، وغموضا لمدلولات وأبعاد المفاهيم والصفات اللغوية، وقد خلقت هذه الحالة نوعا من الغموض في الهوية، ومشكلة في تحديد الموقف، وردد كثير من الشباب في عالمنا تساؤلا مفاده: من نحن؟
كتبت هذه الورقة باختصار متعمد، وهي تسجيل لبعض المواقف، وتبيان لبعض النقاط والرؤى التي يراد تثبيتها وتبنيها، والتي تنشد اعتماد بعض المواقف لدى الشباب. ومن أهداف هذه الورقة أن تكون حلقة في سلسلة من مقالات ومواقف وبيانات متفرقة تتراكم في أدبيات الخطاب المدني- الكويتي، ولكنه بيان صالح للمنطقة الخليجية وربما العربية بشكل عام.
إن الشباب المدني مطالب بأن يتبين هذه المواقف، وأن يكون لديه رأي واضح يؤمن به إيمانا راسخا لا لبس فيه، بأن ما يقوم به ويدافع عنه، هو دفاع عن الدين، وهو نضال سلمي صبور لا يستكين من اجل الحرية والتقدم والدولة المدنية.
إن الأسس الراسخة للدولة المدنية، تتطلب أن يكون لها خطابها وأدبياتها، وأن تؤكد وتعيد التأكيد للشباب أن ما ينادون به ليس ترفا، ولا هو مناداة بالابتعاد عن الدين، قدر ما هو المحافظة عليه وتقديسه والسمو به فوق ملعب السياسة 'الآسن' مقارنة مع مبادئ الدين المثالية الجميلة.


الكويت-سبتمبر 2008م
 

مهاتير

عضو فعال
رساله للصامت ...

- شكرا يالصامت على هذا النقل ....

_ أتمنى أن تقرأ الموضوع ثم تلخصه لنا ... من غير المعقول أن أقرأ مقال أطول من الجريد ه...

- وشكرا مره أخرى ...

-------------------------------------------------

عن أبي هريرة قال: بينا نحن عند رسول الله إذ قال: ((بينا أنا نائمٌ رأيتُني في الجنة، فإذا امرأةٌ تتوضّأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فوليت مدبرًا))، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟
 

بو لولوه

عضو ذهبي
شكراً يا الصامت.

محاولة جيدة من بن طفلة وأعجبني كثيراً الجزء الخاص بعريف المصطلحات بأضدادها، ولكن تبقى الصورة العامة بأن بن طفلة يرى أن التيار الديني ضد التيار المدني، وهذه مشكلة لديه ولدى الكثيرين في التيار المدني، لأن التيارات الدينية في الواقع جزء من المجتمع وبالتالي لا يمكن عزلها.

وقد يرى البعض أن نقيض الدين هو الإلحاد، لكن ذلك ليس صحيحاً لأن الإلحاد بحد ذاته صورة من صور العقائد بغض النظر عن الصواب والخطأ، لذلك تكون كافة الأديان والعقائد السماوية وغيرها تقع ضمن دائرة العقائد الدينية، والمجتمع المدني المتحضر يقبل بها لأنها جزء من صياغة عامة للمجتمع، ولو نظرنا إلى تركيا مثلاً نجد أنها دولة ليست علمانية أو لا دينية (تفصل الدين عن الدولة) بل أنها دولة معادية للدين وترفض الدين، وهذا يخرجها من إطار الدولة المدنية التي يجب أن تكون عليها، وأظن أن تركيا بدأت تصوِّب وضعها أخيراً.
 
التعديل الأخير:
أعلى