سيرة حياة/ بنيشا ميننق / ولايات الجنوب الأمريكية.(١)

سمكة

عضو جديد
أنا بنيشا ميننق كونتريس. زدت في الخامس من فبراير، عام ثمان وتسعون وثمانمائة وألف. من عائلة زنجية فقيرة معدمة. والدتي مارثا سيدة مؤمنة تعتنق النصرانية. تواظب الآحاد الذهاب إلى كنيسة القديس بولس. تستمع للموعظة وتشارك جوقة تراتيل.

تنتمي أمي مارثا إلى طبقة الزنوج *الكريول*( طفل يولد من أبوين مهاجرين) عائلتها كاثوليكية متدينة هجرت غينيا هرباً من سطوة الفقر. منذ صباي الأول أرى أمي تميل بروحانية الإحسان إلى جاراتها. تجتمع مع الوثنيات وتقنعهن ولوج طريق الرب. عملت أمي مارثا جهدها لتربيتي وتعليمي. استطعت مذ أمد النهوض بأكوام العمل. تعلمت الطبخ وغسل الملابس والجلي. حاولت أمي مارثا تعليمي الحياكة، لكن لم أفلح أبداً. كنت أمقت الحياكة لكني وفقت براعة صنع الكعك والفطائر. تأخذ أمي بعضاً منها لبيعها في ملحق الكنيسة لجني المال.

أبي كاميرون. يعمل في حقول قطن شاسعة يملكها السيد الأبيض براندون. يخدم أبي كغيره من السود بمزارع مستعمرات. نهاراً يقوم بحرث الأرض يدويا. أبي لا يشتكي، فقد لُقن الطاعة للسيد الأبيض. طاعة اعتاد تلقيني إياها لنستمر... عبيد!

نسكن باتون روج. مستعمرة للسود قريبة من مطرح نفايات عشوائي. سلسلة أكواخ خشبية متلاصقة. تقابلها أخرى بينهما ممر ترابي ضيق، تسرح به جرذان! لضيق المساحة الأمامية البعض أقام حضائر تربية خنازير خلف الأكواخ. على واجهات الأكواخ مصطبات للنميمة وثرثرة النساء. الحي الذي نقطنه لا يتعدى ثلاثون كوخاً. يعرف بعضنا بعض جيدا. نلقن نحن الزنوج منذ الصغر أن يقف بعضنا أمام بعض للثرثرة. حالنا كحال أكواخنا المستندة احداها على الأخرى.

جوارنا منزل صديقتي مارية. والدها السيد كيفن زوج السيدة دروثي صديقة أمي. تذهبان سوية للأبرشية، وتتشاركان نفس المقعد. تتبادلان الحديث كل مساء على المصطبة. تشكو كل واحدة همومها للأخرى. بالمناسبة، زوج دروثي السيد كيفن ذو ساق واحدة! وقع يوماً من أعلى تل. لم تفلح العلاجات أن يبرأ. أصيب بغرغرينا أجبرته بتر ساقه من الركبة. عاهته مزمنة دعتهم فصله من العمل. لتعويض ذلك تعمل دروثي منذ الإصباح حتى المساء لتأمين معيشتهم. كثيراً مابكت السيدة دروثي العوز. كانت أمي تذكرها بالجلد والصبر. تخبرها أن لابد للحياة أن تتغير في يوم ما. الصبر شجرة جذورها مرة لكن ثمارها شهية.

لصق لكوخنا من الجهة اليمني تقطن السيدة كامبيرا. زنجية ضخمة الجثة ذات صوت أجش. لديها عقدة زوجها مورغان مدمن الخمر. كثيراً ماتصم آذاننا كثرة السباب وهي تسحبه ثملاً نحو الكوخ. تقيمها حرباً وتندب حظها الملعون وخلقتها السوداء. دوماً تسأل أمي

مارثا ... لماذا لم يخلقنا الرب بيض! تسأل كامبيرا بغيض.

لاتسخطي عزيزتي. الرب خلق الاختلاف بين البشر للاختبار... من صبر أعطاه ونال. ردت أمي بيقين.

السيدة كامبيرا لديها عداوة محكمة مع سيدة تقطن الكوخ المقابل لكوخها. إيبوني سيدة طويلة نحيفة كعصاة. رأس أخرق مدبب. لاتعرف كيف تتصرف، كما لها مناكشات مع معظم أهالي الحي. تتشاكس كثيراً مع السيدة كامبيرا ذات المزاج المتعكر دوماً. تشتبكان بالأيدي والغلبة للأقوى.

تنقسم مدينتي إلى أربعة أحياء. حي بمنازل من طوب أحمر. كبيرة تزدان برسومات وألوان تبهر الناظر لإتساعها. محاطة بأشجار عالية وسلال ورد. أبواب ضخمة واسعة، تتسع لدخول عربات تنزل راكبيها بالداخل. حي آخر صغير لا تتجاوز عدد أكواخه عشرين. يقع مباشرة على الجانب الآخر من سوق المدينة. تقطنها عوائل تخدم عند السادة البيض. هم عبيد منازل بينما نحن عبيد مزارع. يحصلون عادة علي بقايا طعام وملابس قديمة لا يحتاجها السيد الأبيض. الحي الثالث سوق المدينة، به بضائع مختلفة الألوان والاحجام. ملابس للصيف وأخرى للشتاء، أحذية جلدية.
يوجد شارع فرعي مبلط بحجر آجر. نصعد عدة درجات لنصل اليه. يوجد به أربعة حوانيت. احدها جزار للزنجي موري. يبيع البط والديك الرومي. الزنجي موري تعمل زوجته لدي السيد الأبيض براندون. لصق حانوت الزنجي موري، حانوت لبيع البهارات وأخر يبيع قبعات صوفية حكيت بإتقان وألون زاهية.

صبيحة أحد الأيام كنت أمسك يد صديقتي ماريا. تقدمنا إلى الصفوف الأمامية للكنيسة. أصوات جوقة تصدح تراتيل ملأت الأجواء روحانية وخشوع. جلست، وشبكت أصابعي أمام ذقني، أغمضت عيناي. أحسست نفسي فراشة تحوم حول زهور. تسبح في الفضاء بجناح أزرق. من حولي وجوه ملائكية تردد ترنيمة - أوه كم إيمانويل...كم إيمانويل-. فتحت عيني واستدرت نصف استدارة. رأيت مارية سابحة بخشوعها. بدت نقية بوجهها المدور. شاهدت أمي والسيدة دروثي تنشدان ...أوه كم إيمانويل ...كم إيمانويل. تقدمنا بعد الصلاة لنيل سر *الأفخارستا (سر التناول) طلبت دروثي من كاهن الكنيسة بعض الماء المقدس لزوجها كيفن.
 

ناجى السنباطى

عضو فعال
موضوع جميل وقد كتب الكس هيلى على مااتذكر رواية قيمة بعنوان جذور عن الزنوج المهاجرين من افريقيا تحولت الى مسلسل تليفزيونى وسبقها منذ سنوات رواية كوخ العم توم للكاتبة هاريت ستو فى نفس الموضوع وكانت سببا فى الحرب الاهلية التى ادت الى بداية تحرير العبيد اما اللون فليس مشكلة فالله خلقنا فى تنوع و فى تعدد فريدين والمشكلة فى البشر والله يقول الخير منى والشر من أنفس البشر...ونتمنى القضاء على التمييز فى كل المجالات
 
كلمة إدارة الموقع
جميع المواضيع والمشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها، ولا تعبّر بأي شكل من الاشكال عن وجهة نظر إدارة الشبكة.
أعلى